|
ج/ بسمه تعالى :
يكفي في جواز التوسل إلى الله سبحانه بحق محمد وآله قوله
عز وجل : {
يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ
الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ }
المائدة /35 .
فمحمد وآله خير وسيلة إلى الله وهم رحمة منه لعباده .
وأما الأحاديث من طريق الشيعة فإن أحاديثهم متضافرة على
جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وبآله الطيبين
الطاهرين المعصومين عليهم السلام . خصوصاً الأدعية التي
تأتي ضمن الزيارات لهم أو بعدها وفيها الروايات المعتبرة
خصوصاً على بعض المباني في علم الرجال .
وأما من طريق أهل السنة :
وهنا أكتفي في الجواب بما ذكره العلامة الشيخ الأميني في
الغديرج 5 ص 144 – 146 حيث قال :
قال القسطلاني في " المواهب اللدنية " : وينبغي للزائر له
صلى الله عليه وسلم أن يكثر من الدعاء والتضرع والاستغاثة
والتشفع والتوسل به صلى الله عليه وسلم فجدير بمن استشفع
به أن يشفعه الله فيه . قال : وإن الاستغاثة هي طلب الغوث
فالمستغيث بطلب من المستغاث به إغاثته أن يحصل له الغوث ،
فلا فرق بين أن يعبر بلفظ الاستغاثة ، أو التوسل ، أو
التشفع ، أو التوجه ، أو التوجه . لأنهما من الجاه
والوجاهة ومعناهما علو القدر والمنزلة ، وقد يتوسل بصاحب
الجاه إلى من هو أعلى منه .
قال : ثم إن كلا من الاستغاثة . والتوسل والتشفع .
والتوجه بالنبي صلى الله عليه وسلم كما ذكره في [ تحقيق
النصرة ومصباح الظلام ] واقع في كل حال قبل خلقه وبعد خلقه
في مدة حياته في الدنيا وبعد موته في البرزخ وبعد البعث في
عرصات القيامة .
ثم فصل ما وقع من التوسل والاستشفاع به صلى الله عليه
وسلم في الحالات المذكورة .
وقال الزرقاني في شرح " المواهب "
: ونحو هذا في منسك العلامة خليل وزاد : وليتوسل به صلى
الله عليه وسلم ويسأل الله تعالى بجاهه في التوسل به إذ هو
محط جبال الأوزار وأثقال الذنوب ، لأن بركة شفاعته وعظمها
عند ربه لا يتعاظمها ذنب ، ومن اعتقد خلاف ذلك فهو المحروم
الذي طمس الله بصيرته ، وأضل سريرته ، ألم يسمع قوله تعالى
: { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ
ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ
وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ } الآية ؟ .
قال : ولعل مراده التعريض بابن تيمية .
قال الأميني : هناك جماعة من الحفاظ وأعلام أهل السنة
بسطوا القول في التوسل وقالوا : إن التوسل بالنبي جائز في
كل حال قبل خلقه وبعده في مدة حياته في الدنيا وبعد موته
في مدة البرزخ وبعد البعث في عرصات القيامة والجنة وجعلوه
على ثلاثة أنواع :
1 - طلب الحاجة من الله تعالى به أو بجاهه أو لبركته .
فقالوا : إن التوسل بهذا المعنى جايز في جميع الأحوال
المذكورة .
2 - التوسل به بمعنى طلب الدعاء منه ، وحكموا بأن ذلك
جايز في الأحوال كلها .
3 - الطلب من النبي صلى الله عليه وآله ذلك الأمر المقصود
، بمعنى أنه صلى الله عليه وآله قادر على التسبب فيه
بسؤاله ربه وشفاعته إليه ، فيعود إلى النوع الثاني في
المعنى غير أن العبارة مختلفة وعدوا منه قول القائل للنبي
صلى الله عليه وآله : أسألك مرافقتك في الجنة . وقول عثمان
ابن أبي العاص : شكوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم سوء
حفظي للقرآن . فقال : ادن مني يا عثمان ثم وضع يده على
صدري وقال : أخرج يا شيطان من صدر عثمان . فما سمعت بعد
ذلك شيئا إلا حفظت .
وقال السبكي في " شفاء السقام " : والآثار في ذلك كثيرة
أيضا [ إلى أن قال ] : فلا عليك في تسميته توسلا . أو
تشفعا . أو استغاثة . أو تجوها . أو توجها . لأن المعنى في
جميع ذلك سواء .
قال الأميني : لا يسعنا إيقاف الباحث على جل ما وقفنا
عليه من كلمات ضافية لأعلام المذاهب الأربعة في المناسك
وغيرها حول التوسل بالنبي الأقدس صلى الله عليه وآله ولو
ذكرناها برمتها لتأتي كتابا حافلا ، وقد بسط القول فيه جمع
لا يستهان بعدتهم منهم :
1 - الحافظ ابن الجوزي المتوفى 597 في كتاب [ الوفاء في
فضائل المصطفى ] جعل فيه بابين في المقام : باب التوسل
بالنبي . وباب الاستشفاء بقبره .
2 - شمس الدين أبو عبد الله محمد بن النعمان المالكي
المتوفى 673 في كتابه [ مصباح الظلام في المستغيثين بخير
الأنام ] قال الخالدي في صلح الإخوان : هو كتاب نفيس نحو
عشرين كراسا . وينقل عنه كثيراً السيد نور الدين السمهودي
في " وفاء الوفاء " في الجزء الثاني في باب التوسل بالنبي
الطاهر .
3 - ابن داود المالكي الشاذلي . ذكر في كتابه [ البيان
والاختصار ] شيئا كثيرا مما وقع للعلماء والصلحاء من
الشدائد فالتجئوا إلى النبي صلى الله عليه وآله فحصل لهم
الفرج .
4 - تقي الدين السبكي المتوفى 756 في " شفاء السقام " ص
120 - 133 .
5 - الحافظ أبو العباس القسطلاني المتوفى 923 في "
المواهب اللدنية " .
7 - أبو عبد الله الزرقاني المصري المالكي المتوفى 1122 ،
في شرح المواهب 8 ص 317 .
8 - الخالدي البغدادي المتوفى عام 1299 في [ صلح الأخوان ]
وهو أحسن ما ألف في الموضوع فقد جمع شوارده في سبعين صحيفة
، وأفرد فيه رسالة ردا على كلمة السيد محمود الآلوسي في
التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله طبعت في عشرين صحيفة
بمطبعة " نخبة الأخبار " سنة 1306 .
9 - العدوي الحمزاوي المتوفى 1303 في " كنز المطالب " ص
198 .
10 - العزامي الشافعي القضاعي في [ فرقان القرآن ]
المطبوع مع [ الأسماء والصفات ] للبيهقي في 140 صحيفة وهو
كتاب قيم أدى للكلام حقه .
{أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى
رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ } الإسراء /57
وقال العلامة السيد العسكري في معالم المدرستين
حيث قال : يستدل القائلون بمشروعية التوسل برسول الله (ص)
والاستشفاع به في كل زمان بأن ذلك وقع برضا من الله قبل ان
يخلق النبي وفي حياته وبعد وفاته وكذلك يقع يوم القيامة
وفي ما يأتي الدليل على ذلك :
أ - التوسل بالنبي قبل أن يخلق :
روى جماعة منهم الحاكم في المستدرك من حديث عمر بن الخطاب
( رض ) أن آدم لما اقترف الخطيئة قال : ( يا رب أسألك بحق
محمد لما غفرت لي ، فقال الله وكيف عرفت محمدا ولم أخلقه ؟
قال يا رب لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي
فرأيت قوائم العرش مكتوب عليها " لا إله إلا الله محمد
رسول الله " فعرفت لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك
فقال الله تبارك وتعالى صدقت يا آدم انه لأحب الخلق إلي إذ
سألتني بحقه فقد غفرت لك ولولا محمد ما خلقتك ) .
وذكره الطبراني وزاد فيه " وهو آخر الأنبياء من ذريتك "
.
وأخرج المحدثون والمفسرون في تفسير الآية
{وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ
مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ
مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ
فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ
فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ} . إن
اليهود من أهل المدينة وخيبر إذا قاتلوا من يليهم من مشركي
العرب من الأوس والخزرج وغيرهما قبل أن يبعث النبي كانوا
يستنصرون به عليهم ويستفتحون لما يجدون ذكره في التوراة
فيدعون على الذين كفروا ويقولون : " اللهم إنا نستنصرك بحق
النبي الأمي إلا نصرتنا عليهم " أو يقولون " اللهم ربنا
انصرنا عليهم باسم نبيك ...
فينصرون فلما جاءهم كتاب من عند الله وهو القرآن مصدق لما
معهم وهو التوراة والإنجيل وجاءهم ما عرفوا وهو محمد ( ص )
ولم يشكوا فيه كفروا به لأنه لم يكن من بني إسرائيل
.
ج - التوسل بالنبي في حياته .
روى أحمد بن حنبل والترمذي وابن ماجة والبيهقي عن عثمان
بن حنيف أن رجلا ضرير البصر أتى النبي ( ص ) فقال : ادع
الله أن يعافيني ، قال : ( إن شئت دعوت وان شئت صبرت فهو
خير لك ) قال فادعه ، قال فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه
ويدعو بهذا الدعاء : " اللهم إني أسألك وأتوجه غليك بنبيك
محمد نبي الرحمة يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي
لتقضى لي ، اللهم شفعه في "
صححه البيهقي والترمذي .
د- التوسل بالنبي بعد وفاته .
روى الطبراني في معجمه الكبير من حديث عثمان بن حنيف . أن
رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان ( رض ) في حاجة له فكان
لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته فلقي ابن حنيف فشكا إليه
ذلك ، فقال عثمان بن حنيف ائت الميضأة فتوضأ ثم ائت المسجد
فصل ركعتين ثم قل : اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا
محمد ( ص ) نبي الرحمة ، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي
فتقضي حاجتي وتذكر حاجتك .
فانطلق الرجل فصنع ما قال له ثم أتى باب عثمان بن عفان
فجاءه البواب فأخذ بيده ، فأدخله على عثمان فأجلسه معه على
الطنفسة فقال : ما حاجتك ؟ فذكر حاجته فقضاها له ثم قال له
ما ذكرت حاجتك حتى كانت الساعة وقال ما كان لك من حاجة
فاذكرها
.
الاستشفاع بالعباس عم النبي ( ص ) في صحيح البخاري أن عمر
بن الخطاب ( رض ) كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد
المطلب فقال : اللهم إنا كنا نتوسل بنبينا فتسقينا وإنا
نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا ، قال فيسقون .
كان الاستشفاع بالعباس لأنه عم رسول الله ( ص ) وليس لصفة
أخرى فيه . مع وجود هذه الأحاديث من سنة الرسول ( ص ) لا
ينبغي أن يكون ثمة خلاف في مسألة صفات الأنبياء وخاصة خاتم
الرسل المذكورة وما فضلهم الله بها ، وخصهم على سائر الناس
، وفي ما يأتي سنذكر بعض ما نراه سببا للخلاف في صفات خاتم
الرسل خاصة .
مستدرك الحاكم كتاب التاريخ في اخر كتاب البعث ، ج
2 / 615 ومجمع الزوائد 8 / 253 وتحقيق النصرة
للمراغي (ت : 816 ه ) ، ص 113 - 114 . وهو الذي
نقله عن الطبراني .
|