| إذا صح ما نقله ابن الغضائري فالجواب واضح وصريح . المسعودي وتشيعه : المسعودي لقب لأكثر من واحد : 1- المسعودي : صاحب مروج الذهب المشهور . 2- القاسم بن مَعْن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود المسعودي ، كوفي أسند عنه ، وذكره الشيخ الطوسي في رجاله في أصحاب الصادق عليه السلام برقم 3899 وقال ابن حجر : القاسم بن مَعْن – بفتح الميم وسكون المهملة - بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود المسعودي الكوفي أبو عبد الله القاضي ، الثقة ، من السابعة مات سنة 175 . كذا ذكره ابن حجر في تقريب التقريب برقم 5531 . انظر ترجمته ومصادرها في : الفائق في رواة أصحاب الإمام الصادق ج 2 ص 594 رقم 2640 . 3- عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الكوفي ، المسعودي ، صدوق ، اختلط قبل موته ، وضابطه أن من سمع منه ببغداد فبعد الاختلاط ، من السابعة مات سنة ستين ، وقيل سنة خمسة وستين . [ أي أن وفاته سنة 160 أو 165 هـ ] . كذا ذكره ابن حجر في تقريب التقريب برقم 3944 . 4- محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن الحسين بن مسعود المسعودي شارح ( المقامات ) اللغوي الشافعي ولد سنة 522 هـ وتوفي 584 هـ ترجمه الحموي في معجم الأدباء .[1] وأشهرهم الأول . أما المسعودي المشهور فهو : علي بن الحسين المسعودي الهذلي البغدادي المتوفى 345 أو 346 هـ فهو شيعي إمامي معتدل منصف ، ولذلك اختلف في مذهبه : فالسبكي عده شافعياً وترجم له في طبقات الشافعية وذكر محضر مختلف العلماء وهو لا يدل على كونه شافعياً [2]، وقال آخرون أنه معتزلي . [3] ولكن الصحيح كونه شيعياً إمامياً لما يلي : 1- فإن كتبه دالة على تشيعه سواء كانت بعض أسمائها كما في ( الصفوة في الإمامة ) و( الهداية إلى تحقيق الولاية ) ( الاستبصار في الإمامة ) و ( رسالة البيان في أسماء الأئمة عليهم السلام ) وما نسب إليه من كتاب ( إثبات الوصية ) وغيرها [4] أو بعض ما يذكره في كتبه من مطالب . قال ابن حجر في لسان الميزان : وكتبه طافحة بأنه كان شيعياً معتزلياً ...) ثم نقل عنه بعضها [5] أما كونه شيعياً فنعم وأما كونه معتزلياً فلا وإن كان تتفق الإمامية مع المعتزلة في أكثر العقائد الإسلامية . 2- المترجمون له : فبعضهم نص على تشيعه وبعضهم وثقه وبعضهم استظهر تشيعه . 1- فقد ترجمه النجاشي في كتابه المعروف ( فهرست أسماء مصنفي الشيعة ) المشتهر بـ( رجال النجاشي ) ج 2 ص 76 رقم 663 بتحقيق النائيني وذكر جملة من كتبه ومنها كتاب الصفوة في الإمامة وكتاب الهداية إلى تحقيق الولاية ومروج الذهب وإثبات الوصية ، وبعضهم شكك في صحة نسبة هذا الكتاب له فقال : علي بن الحسين بن علي المسعودي أبو الحسن الهذلي ،له كتاب المقالات في أصول الديانات ، كتاب الزلف ، كتاب الاستبصار ، كتاب سر الحياة ، كتاب نشر الأسرار ، كتاب الصفوة في الإمامة ، كتاب الهداية إلى تحقيق الولاية ، كتاب المعالي في الدرجات و الإبانة في أصول الديانات ، رسالة إثبات الوصية لعلي بن أبي طالب عليه السلام رسالة إلى ابن صعوة المصيصي ، أخبار الزمان من الأمم الماضية و الأحوال الخالية ، كتاب مروج الذهب و معادن الجوهر ، كتاب الفهرست) . [6] 2- وذكره الشيخ الطوسي في الفهرست رقم 904 وتوهم بعض المحققين أن المسعودي الذي ذكره الشيخ هو القاسم بن معن المسعودي . مستشهداً له بما رواه في الكافي ج 2 ص 638 كتاب العشرة باب من يجب مصادقته ومصاحبته . وهو غير صحيح .فإن الموجود في سند الرواية موسى بن يسار القطان عن المسعودي [7] كما أن الموجود في سند الرواية لا يصح أن يكون المسعودي المشهور كما احتمله السيد الخوئي وهذا الاحتمال في غير محله [8] لاختلاف الطبقة بين المسعودي المشهور المتوفى 346 هـ وبين الموجود في سند الرواية في الكافي للكليني المتوفى 329 هـ المتقدم عليه بأربع وسائط 3- 4- وترجم المسعودي العلامة في الخلاصة في القسم الأول ص 186 رقم 551 وابن داود في القسم الأول من رجاله المعدان للثقات والمعتمدين . 5- العلامة المجلسي في الوجيزة ووضع عليه رمز حسن ، والبحار في مواضع عديدة منه . وإن اشتبه عليه تاريخ وفاته . 6- الشيخ عبد الله أفندي الأصفهاني تلميذ المجلسي من أعلام القرن 12 في كتابه رياض العلماء قال : الشيخ المتقدم من أصحابنا الإمامية المعاصر للصدوق [9] 7- السيد الداماد في حاشيته على رجال الكشي قال : الشيخ الجليل الثقة الثبت المأمون الحديث عند العامة والخاصة [10] 8- أبو علي الحائري في كتابه منتهى المقال في أحوال الرجال ج 4 ص 390 قال : المسعودي هذا من أجلة العلماء الإمامية ومن قدماء الفضلاء الاثني عشرية – ثم نقل كلام العلامة وابن داو والسيد ابن طاووس والحر العاملي والاستربادي والعلامة المجلسي إلى أن قال – ولم أقف إلى الآن على من توقف في تشيع هذا الشيخ سوى ولد الأستاذ العلامة – يعني به الآقا محمد علي - .... ) ثم حاول أن يرد عليه ويفند ما تمسك به . 9- والسيد ابن طاووس في فرج المهموم 10- والشيخ البهائي في حاشية رجال الكشي . 11-والخونساري في الروضات ج 4 ص 272 رقم 398 . 12-وكذلك ترجمه وقال بتشيعه : المامقاني في تنقيح المقال . 13- والسيد الأمين في أعيان الشيعة ج 1 ص 82 وذكره بعنوان مؤرخي الشيعة ص 154 وترجمه في ج 8 ص 220 ترجمة مفصلة . 14-والطهراني في طبقات أعلام الشيعة ج 1 ص 182 وفي الذريعة ذكر مؤلفاته في مواضع متعددة . 15- والسيد الخوئي في المعجم ج 12 ص 396 . 16- والكاظمي في تكملة الرجال ج 2 ص 175. 17- كما رجح تشيعه صائب عبد الحميد في معجم مؤرخي الشيعة 1 ص 590 . سعة أفقه وانفتاحه وراء خفاء مذهبه : وهنا أنقل كلاما لطيفا للدكتور صالح العلي الذي كان يتحدث عن العالِم واسع الأفق وكيف كانت تختفي معه النعرات الطائفية والمذهبية ويتغلب عليها حتى يكون منصفاً لعدوه قبل صديقه كما دلت على ذلك النصوص الشرعية وكذلك كان المسعودي المؤرخ الحصيف والناقد البصير مع الإنصاف والعدل : قال الدكتور صالح أحمد العلي: تتميز الحركة الفكرية في القرنين الثالث و الرابع الهجري بميزات معينة واضحة، طبعت معظم العلماء الذين ظهروا فيهما، و لعل من أبرز تلك الميزات هو تعدد نواحي ثقافة العلماء و المفكرين، إذ كان كل منهم يدرس مواضيع متعددة من لغة و فقه و حديث و فلسفة و تاريخ و جغرافية، و كثيرا ما كان العالم منهم يبرز في أكثر من ميدان من ميادين المعرفة، فالطبري كان مبرزا في الفقه و التفسير و اللغة و التاريخ و الحديث، و اليعقوبي من أعظم المؤلفين في الجغرافية و التاريخ، و من قبلهم الكندي كان مبرزا لا في الفلسفة فحسب بل في معظم فروع المعرفة، و الجاحظ لم يكن أديبا فحسب بل كان متكلما و مؤرخا و عالما طبيعيا أيضا. و الفارابي برز في الفلسفة و الموسيقى. و لا ريب أن تعدد نواحي المعرفة يساعد العالم على معرفة العلاقات بين العلوم المختلفة، و يساعد على تطعيم هذه العلوم ببعضها ،فالمنطق يعين على النقد و التفكير و التنظيم، و الأدب على إظهار جمال الأسلوب، و التاريخ يساعد على معرفة التطور و تقدير أهمية وحدة العلوم و ترابطها مع بعضها. و تعدد جوانب المعرفة من شأنه أن يوسع أفق نظر الإنسان، و يخرجه من نطاق التخصص الذي كثيرا ما يؤدي إلى التعصب، هذا إلى أنه يساعد على تقدير مكانة كل علم و مركزه بين العلوم، و أن العالم الذي تعدد جوانب معرفته يكون ذا نظرة واسعة، و صدر رحب، و روح نقدية، و يتصف بعدم الاستسلام و التعصب الأعمى. و من ميزات القرنين الثالث و الرابع الهجري تشبع الناس بروح الدولة الإسلامية، فالفرد منهم صار يعتز بكونه بأصله و عشيرته، حتى أن كثيرا من العلماء الذين ظهروا في هذه الفترة، لا نعلم إلى أي عشيرة ينتمون، بل أن كثيرا مما لا نعلم هل أن أصلهم عربي أم أعجمي، و الواقع أن معظم العلماء و المفكرين الذين ظهروا في هذين القرنين كانوا ينتسبون إلى المحلات التي ولدوا فيها، أو المحلات التي أقاموا فيها، أو الأقاليم التي ترعرعوا فيها. كما أن العالم قلما يكتفي بالإقامة في مكان واحد، بل كان يقوم برحلات و سفرات، ليتصل بالعلماء و يسمع منهم أو يدرس على يدهم و يستفيد من علمهم. و قد شجعت أحوال المجتمع هذه الرحلات، فإن الحج من أركان الإسلام الخمسة، و هو يلزم كل قادر على زيارة مكة المكرمة للحج، مما يحمل الناس على السفر، ثم إن الرخاء الاقتصادي في القرنين المذكورين و توزع مراكز الإنتاج و المدن، و قلة العراقيل بوجه التجار و المسافرين ساعد على هذه الرحلات و السفرات. و لا ريب أن التنظيمات القائمة آنذاك كانت تساعد الناس، و العلماء خاصة على القيام بمثل هذه الرحلات، فقد كانت الجوامع تقدم لكثيرين منهم المأوى،و التبرعات كانت توفر للفقراء منهم ما يحتاجونه من زاد و غذاء. و ينبغي ألا يغيب عن ذهننا أن معظم العلماء كان دافعهم حب العلم و المعرفة، دون الاهتمام بالمطامع المادية، لذلك لم يكونوا ليحتاجوا في طلب العلم إلى مبالغ طائلة.[11] ومن هؤلاء العلماء الأفذاذ الذين ظهروا في هذه الحقبة من الزمن، أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي الذي ينحدر أصله من عبد الله بن مسعود الصحابي المشهور. ولد في المنتصف الثاني من القرن الثالث ببغداد، و يظهر أنه ترعرع و تثقف فيها و كان يحن إليها في سفراته، ولا أدل على هذا الحنين من قوله في مروج الذهب (و أواسط الأقاليم إقليم بابل) الذي مولدنا به. و إن كانت ريب الأيام أناة بيننا و بينه، و ساحقت مسافتنا عنه، و ولدت في قلوبنا الحنين إليه،! إذ كان وطننا ومسقطنا إلى آخر ما قاله في كلامه. إن هذا النص يدل على مدى تعلق المسعودي بالعراق، إنه نشأ و ترعرع فيه، و درس على علمائه فتركوا في نفسه كل هذا الأثر العميق . لا تذكر المصادر شيئا واضحا عن نشأة المسعودي الأولى، ولا عن وضعه المالي أو العلماء الذين تتلمذ عليهم أو ناقشهم أو اتصل بهم، و لكننا نستطيع أن نحدس ذكاءه و تتبعه و سعة اطلاعه من الكتب التي روى أنه ألفها، ففي كتابه التنبيه و الاشراف الذي أنجز تأليفه في سنة 345 هـ ذكرأسماء أربعة و ثلاثين كتابا من مؤلفاته، في الفقه، و الكلام، و الأدب، و الأخبار و التاريخ، و الجغرافية، و لكن لم يبق من هذه الكتب إلا كتاب مروج الذهب، و كتاب التنبيه و الاشراف، و الأول أطول من الثاني إلا أن الثاني يبدو فيه الاتساق و النضج، و هو يروي أن بعض كتبه الأولى كبيرة. و لكن الزمان لم يبق عليها فضاعت كما ضاع كثير من كنوز المعرفة الإسلامية العظيمة. غير أننا نستطيع أن نقدر سعة علمه من الكتب التي يورد ذكرها، ففي مقدمة مروج الذهب ذكر لتسعة و سبعين مؤلفا أو كتابا من أمهات كتب التاريخ التي قرأها، عدا الكتب التي لم ير مبررا لذكرها نظرا لوهنها و ضعفها. و تتجلى سعة اطلاعه أيضا مما يورده في مؤلفيه الذين بقيا لنا، يشير إلى الفلسفة، و يذكر الفلاسفة بالاحترام و التقدير، و ينعى على مدعي الفلسفة، الذين شوهوا قيمها السامية، كما كان مطلعا على آراء أهل الملل و النحل و ألف كتبا عنها. و لكن أكثر تأثره كان بالعلماء الإغريق و الغرب. فأما الإغريق فقد كانوا مبرزين في كثير من العلوم، و قد ترجمت معظم مؤلفاتهم إلى العربية، فساعدت العلماء على الاطلاع عليها و الإفادة منها. و قد أورد المسعودي آراء كثير من العلماء الإغريق، و خاصة أرسطو الذي اقتبس المسعودي منه بعض الآراء و الأفكار في الجغرافية الطبيعية كما تردد كثيرا في كتابه ذكر العالم الإغريقي بطلميوس، فاقتبس منه كثيرا و أشار إلى بعض آرائه و خاصة عند بحثه عن شكل الأرض و أبعادها، و امتداد المعمور و الأقاليم و قسمة الأرض إلى ثلاث قارات، كما أشار إليه عند البحث عن الأنوار و الفصول و البحار، و قد أشار في كتبه إلى مارينوس الصوري و هرمس. غير أنه لم يتقبل كافة آرائهم أو يصدقها، بل نقدهم، نقد آراء بطلميوس عن امتداد المعمورة و تقسيمها إلى ثلاث قارات، أو أن البحر يحيط القارات من كافة الجهات. و قد أشار المسعودي إلى المتقدمين من العلماء العرب، فذكر من الفلكيين كتاب الثلاثين فصلا للفرغاني، و الزيج للبتاني، و صورة الأرض للخوارزمي، و المدخل إلى صناعة [النجرم] النجوم للبلخي و الزيج المأموني، و اقتبس من العرب فكرة انحناء سطح الأرض و أن الأرض كالقبة، و كذلك خطوط الطول و العرض، و أفكاره عن البحار و المناخ و الأمطار، و لعل أكثر المفكرين العرب أثرا في المسعودي هو الكندي و تلميذه أحمد بن الطيب السرخسي حيث يجلهما و يقر آراءهما و خاصة عن بحر الحبشة و رسم المعمور و قد تأثر بهما كثيرا. على أنه لم يكتف بالتعلم بل قام بسفرات طويلة في العالم الإسلامي و خارجه، فقد زار فارس و خراسان و الهند و السند حيث بقي فيهما أمدا و وصفهما وصفا دقيقا، كما زار سجستان و كرمان و جرجان و طبرستان و خوزستان. و زار أيضا شرقي إفريقية و سوريا و مصر حيث أقام عدة سنين ألف فيها كتابيه مروج الذهب و التنبيه و الاشراف. و قد اكسبته هذه الرحلات اطلاعا واسعا و خبرات مباشرة و مرونة في التفكير. لقد كان المسعودي واسع الاطلاع، نقادة لا يرضى بالخرافات، يعتمد على خبراته الشخصية و على قوة تفكير في النقد، و اهتم بدراسة أحوال الشعوب و أهل الأرض دراسة شاملة، فوصف الأرض التي يسكنونها فكان جغرافيا عظيما، كما وصف طبائعهم و عاداتهم و تقاليدهم و عقائدهم و مواطنهم، و بحث عن تاريخهم، و هكذا أظهر الصلة الوثيقة بين الجغرافية و التاريخ. و لم يقتصر على وصف العالم الإسلامي فحسب، بل شمل بحثه البلاد غير الإسلامية أيضا، كما لم يقصر بحثه على المصادر العربية بل حاول أن يستقي معلوماته عن تاريخ كل شعب من كتبهم، و هكذا أظهر عمليا أنه نموذج رائع للعالم الحقيقي الفطن المرن الواسع الصدر. [12] [1] روضات الجنات ج 4 ص 280 . [2] طبقات الشافعية ج 2 ص 307 . [3] انظر : لسان الميزان لابن حجر ج 5 ص 21 ، سير أعلام النبلاء للذهبي ج 15 ص 569 . طبقات الشافعية ج 2 ص 307 . [4] معجم مؤلفي الشيعة ج 1 ص 591 . معجم الأدباء ج 4 ص 50 . [5] لسان الميزان لابن حجر العسقلاني ج 5 ص 21 الطبع المحقق . [6] رجال النجاشي ص : 254 رقم 665 بتحقيق الزنجاني [7] انظر قاموس الرجال ج 7 ص 434 . [8] معجم رجال الحديث ج 12 ص 396 . [ 9] رياض العلماء ج 3 ص 428 . [10] روضات الجنات ج 4 ص 276 . [11] أعيان الشيعة، ج8، ص: 222 [12] أعيان الشيعة، ج8، ص: 222 |