|
|
|
|
|
حديث الكساء الموضوع-1 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
حديث الكساء من الحوادث التي وقعت في السنة السابعة من الهجرة النبوية عندما جمع رسول الله صلى الله عليه وآله أهل بيته وهم : علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام ولفَّ عليهم بكساء كان عنده في بيت أم سلمة زوجه ونزلت آية التطهير فقال : اللهم هؤلاء أهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً . وقد تقدم في الحلقة الأولى الحديث عن سند هذا الحديث وعن مضمونه وأنه من الأحاديث المتواترة لدى الشيعة والسنة. بقي أنه في الآونة الأخيرة شاع قصة لا أصل لها بعنوان حديث الكساء وروج لها من دأبه التساهل في النقل والاعتماد على الروايات الضعيفة والمرسلة ونسبة هذه القصة إلى سيدة النساء فاطمة الزهراء عليها السلام ثم إلى أبيها سيد المرسلين صلى الله عليه وآله ، وبما أن هذه القصة المنسوبة إلى أهل بيت العصمة والطهارة من صلب الأمور الدينية والثقافة الإسلامية الشيعية لذا لزمنا أن نفحص عن هذه القصة وهل أن هذه النسبة ثابتة من طريق علمي كبقية الأحاديث التي يتعبد بها أم لا ؟ وهذه القصة وإن لم نكن أول من تكلم فيها وشكك في سندها أو قطع بوضعها فقد سبقنا إلى ذلك الشيخ عباس القمي في كتابه منتهى الآمال في أحوال الإمام الحسين عليه السلام فبعد القول بتواتر حديث الكساء قال : ( وأما حديث الكساء المعروف عندنا الآن فإنه لم يورد في الكتب المعروفة المعتبرة وفي أصول الحديث والمجامع المتقنة للمحدثين بهذه الكيفية ويمكن أن يقال بأن هذا من خصائص كتاب المنتخب ) [1] وتبعه جماعة آخرون . وهؤلاء الأعلام وإن تحدثوا عنه ولكن بصورة مختصرة ولا تزال القضية غامضة أو غير واضحة لدى الكثير من العلماء والخطباء فضلاً عن غيرهم وحتى أن بعض المؤمنين مع الأسف الشديد يمارسون قراءته- أي حديث الكساء هذا- في الفضائيات وغيرها وكأنه من الأحاديث المتواترة عن أهل البيت عليهم السلام ، لذا أحببنا أن نتحدث عنه بصورة مفصلة ونناقش سنده ومصدره ومضمونه . ثقافة الحواشي : نتصور أن مصدر هذا الحديث هي الحواشي ، وثقافة الحواشي التي تكتب على هامش الكتاب وما تلبث أن تنزل في أصل الكتاب . تعريف الحاشية : و هي ما يكتب في أطراف الكتب من الزيادات والإلحاقات والشروح من الحشو بمعنى الزائد، أو من الحاشية بمعنى الطرف من باب تسمية الحال باسم المحل. [2] ولقد كره الفلاسفة تسمية تعليقاتهم واعتراضاتهم على الكتب باسم الحاشية . كأنهم ما أحبوا تسمية تعليقاتهم الفلسفية بالحاشية لما يتراءى منها من معنى الحشو. [3] تاريخ الحواشي : يقول الطهراني : و يرجع تاريخ تعليق الحواشي على الكتب في الإسلام إلى عهد انتشار الكتب نفسها، فإن من قرأ شيئا من العلوم وكان عارفا بالكتابة لم يفته هذا النوع من التصنيف لأن إبداء الرأي طبيعي لكل فرد يمكنه ذلك لقد كانت كتابة الحواشي قبل القرن العاشر منحصرة لكشف بعض الغوامض من المسائل، و شرح بعض العبارات المعقدة. و تمتاز عن الحواشي بعد هذا التاريخ بكونها أوضح من المتون التي علقت عليها للتوضيح. و أما في العهد الصفوي القاجاري فنرى الحواشي قد ازدادت عددا و زادت عباراتها إغلاقا و تعقيدا بحيث لا تقل في ذلك عن المتن الذي علقت عليه، و كلما نتقدم في هذا العصر نرى هذا الأثر تشتد و تتضح أكثر من ذي قبل. و الحواشي في ذلك التاريخ على ثلاثة أقسام: 1-الحواشي على الكتب الأدبية و لا سيما المتداولة تدريسها، فقد كثرت الحواشي عليها للتشريح و التنقيح و البسط و التعليلات الزائدة، و استدراك نكات تركها المصنف اختصارا. و لا تتجاوز هذه إلى الانتقاد إلا قليلا. 2-الحواشي على الكتب الدينية، و هي إما مسائل أصلية أو فرعية : (أما الأول) فإن الحواشي عليها إنما كانت توضيحية لمراد الماتن و استدلالات عقلية أو نقلية له. أما الرد و الانتقاد فما كانوا يكتفون فيها بالحاشية بل يكتبون فيها رسالات مستقلة (و أما المسائل الفرعية) فإن الحواشي عليها إما مختصرة فتوائية و هي التي يكتب المحشي ما يستنبطه من الحكم في المسألة على خلاف ما استنبطه الماتن.، و إما مشروحة يتضمن البحث في أسناد الأخبار المستدلة بها أو في كيفية الاستدلال و الاستنباط، أو انتقاد خفيف. 3-الحواشي على العلوم العقلية- و كانت قد تقلصت في العهد التيموري الأخير- فبما كان لأصحابها الحق في إظهار النظر و اتخاذ رأي يرونه حقا عندهم صارت معركة للآراء المتخالفة. فما كان أحدهم يكتب رسالة أو كتابا إلا و تتوارد عليه الحواشي، و ما كان تبرز حاشية و تشتهر بين قرائها حتى يصير هدفا يتقاطر عليها سهام الحواشي نصرة لمؤلف الكتاب على المحشي الأول أو إبداء لرأي ثالث، و ربما جاء آخر يتحاكم بين هؤلاء [4] هذه لمحة خاطفة عن تعريف الحواشي وتاريخيها وكيفيتها وتطورها . وها نحن نعود مرة أخرى للحديث عن ثقافة الحواشي وحاصلها : أن بعض معارفنا وثقافاتنا – مع الأسف الشديد - مأخوذة من حواشي بعض الكتب لا على أساس أنها لمن كتبها فإن هذا لا ضير فيه سواء أكانت في الحاشية أو في أصل الكتاب وسواء أكانت على قرطاس أو حجر أو عظام أو على جلود حيوان ما دام صاحبها معروفاً وإبداء الرأي والرأي الآخر . قال الطهراني : لهذا فقد كثرت عدد الحواشي بحيث خرجت عن حد الإحصاء. و لجميع هذه الأقسام أهميتها التاريخية للبحث عن التطور العقلي للمجتمع الذي ولدت فيه هذه الأفكار.[5] وهنا مربط الفرس : ولكن المصيبة العظمى والطامة الكبرى فيما إذا كان كاتب تلك الحواشي مجهولا وربما كتبها بحسن نية أو بسوء نية وأراد أن يزيد أو ينقص ويزور ويكذب وتبقى لفترة زمنية ثم تسقط وتنزل من الحاشية والهامش وتُضاف إلى أصل الكتاب ويُأخذ بها على أنها منه ولمؤلفه ويتعامل معها أنها من صلب الكتاب ، وهذه الحالة من التزوير والوضع لا يفرق فيها سواء أكانت حديثاً أو مطلباً علمياً وقد انتشرت في جملة من الكتب القديمة والحديثة ، فلم تكن هذه العملية مقصورة على عالم المخطوطات فيما غبر من الأزمنة السالفة التي كثيراً ما يحصل مثل ذلك بل شملت عالم الطباعة اليوم . وذلك أننا تعودنا على مثل هذه الثقافة كثيراً وانتشرت في كثير من الكتب التي تُكتب الحواشي عليها بعد وفاة المؤلف بعشرات أو مئات السنين ولم يدر في خلد مؤلفه هذه المطالب . إن الدراسة التي مررنا بها في كتاب ( مصباح المتهجد للشيخ الطوسي ) وما أدخل عليه من الحواشي التي كتبت عليه في فترة زمنية معينة حسب تاريخ النسخ وفي الفترات اللاحقة أنزلت تلك الحواشي إلى داخل أصل الكتاب وكأن المؤلف هو الذي خطها أو رواها وتصبح جزءا لا يتجزأ من كتابه ، وقد أثبتنا ذلك في كتاب زيارة عاشوراء في الميزان المطبوع المنتشر بالصور الفوتوغرافية بما لا مزيد عليه . حديث الكساء وثقافة الحواشي : إن مثل هذه التجربة تتكرر مرة أخرى في كتاب ( عوالم العلوم ) للشيخ عبد الله بن نور الدين البحراني تلميذ المجلسي والذي عاش في القرن 12 الهجري وقد فبركت له هذه القصة المختلقة بعنوان ( حديث الكساء ) على لسان فاطمة الزهراء عليها السلام وركب لها سند لعله من أسانيد ( حديث الكساء المتواتر ) الذي تقدم الحديث عنه . ووضع كل ذلك على هامش هذا الكتاب فكل من رأى هذه الحاشية اعتقد أنها من أصل الكتاب ونسبها إلى مؤلفه وأنها بسند صحيح . ثم إن مما يؤكد ثقافة الحواشي أن هذا الحديث الآن ينزل إلى عالم الطباعة بعنوان أنه من كتاب ( عوالم العلوم ) وها نحن نستمع إلى محقق الكتاب وناشره ماذا يقول حول النسخة التي على هامشها ( حديث الكساء الموضوع ) فهو يقول ما يلي : ( ونحن نأسف إذ لم نوفق في الحصول على تلك النسخة الكاملة ، والتي كانت – كما كنا نعلم – في يزد ، ولم ندر أين حل بها الدهر حتى طبع الكتاب ، إلا أننا واصلنا جهودنا الدائبة في البحث والتنقيب عنها دون كلل أو ملل ورغم المشاغل والصعوبات الكثيرة حتى وجدنا - بعد جهد جهيد – ضالتنا المنشودة في مكتبة جامعة طهران ، فارتأينا إعادة طبع الكتاب منوراً بهذا الحديث الشريف ، وملحقين بأبوابه المختلفة العديدة المستدركة من كتب الخاصة والعامة . ولأن حديث الكساء كان مكتوباً في هامش تلك النسخة ( ص187) من كتابنا هذا [6] ، رأينا أن ندرجه في آخر الكتاب مع نسخته المصورة ، وإليك صورة نسخة ( العوالم ) الأصلية من مكتبة جامعة طهران ، وبهامشها حديث الكساء ) [7] والذي يستفاد من كلامه : أن الكتاب طبع بدون حديث الكساء الموضوع ثم طبع مرة أخرى معه . بين يدي نسخة من كتاب عوالم العلوم في أحوال فاطمة الزهراء عليها بحسب تجزئة المؤلف هو المجلد 11 ومعه المجلد 16 في الإمام الحسن عليه السلام في مجلد واحد طبع في سنة 1409 هـ - 1988م وكتب على الغلاف اسم مستعار ( في السيرة والتاريخ ) المجلد السادس مختارات حسن المجاهد . مؤسسة أهل البيت – بيروت . أن النسخة السابقة مطبوعة على نسخة بخط كاتبه محمد مهدي بن محمد باقر في أحوال فاطمة الزهراء عليها السلام تم في سنة 1263 هـ والذي هو في أحوال الإمام الحسن عليه السلام في سنة 1279 هـ الذي قوبل بأصله الذي بخط المصنف (ره) . النسخة الآن موجودة في مكتبة المرعشي النجفي – قم المقدسة . وفي هذه النسخة السابقة المطبعة لا يوجد عين ولا أثر لحديث الكساء المذكور لا من قريب ولا من بعيد. أن هذه النسخة المطبوعة على النسخة المخطوطة الآنفة الذكر مقابلة على نسخة المؤلف وعليه فما يخالفها لم يكن من المؤلف . أن النسخة الخطية التي في هامشها حديث الكساء هي نسخة جامعة طهران ، أما نسخة يزد فلم يعلم خبرها . أن ( حديث الكساء ) الموضوع طبع الآن في آخر المجلد 11 من كتاب العوالم والمحقق أو المؤسسة يصران على أن الحديث جزء من الكتاب . نخشى فيما يأتي من طبعات الكتاب أن يدخل في أصل الكتاب ولا يميزه عن غيره من الأحاديث شيء . الخلاصة : أن الشيخ عبد الله البحراني صاحب العوالم لم يكن عنده خبر عن هذا الحديث ولم يضعه على كتابه وليس ببعيد أن يكون أحد المتطفلين أو المغرضين هو الذي تصدى لذلك . وسوف يأتي مزيد تحقيق لذلك . إن التحقيق في مثل هذه القضايا تحتاج إلى جهد كبير وتعب ومثابرة ومع ذلك تنبري بعض الأصوات النشاز التي تعودت على مثل هذه الثقافة واستأنست بها تبقى مصرة عليها ومبررة لها حتى ولو كانت من هبوب الريح أو خفقان الطير متناسية خطورة حالة الدس والوضع والتزوير في تراث أهل البيت عليهم السلام وعلى ألسنتهم . خطورة التساهل في الروايات : عَنْ سَعْدٍ عَنِ الْيَقْطِينِيِّ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِنَا سَأَلَهُ وَ أَنَا حَاضِرٌ فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ مَا أَشَدَّكَ فِي الْحَدِيثِ وَ أَكْثَرَ إِنْكَارَكَ لِمَا يَرْوِيهِ أَصْحَابُنَا ؟ فَمَا الَّذِي يَحْمِلُكَ عَلَى رَدِّ الْأَحَادِيثِ ؟. فَقَالَ : حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ الْحَكَمِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام يَقُولُ : لَا تَقْبَلُوا عَلَيْنَا حَدِيثَنَا إِلَّا مَا وَافَقَ الْقُرْآنَ وَ السُّنَّةَ أَوْ تَجِدُونَ مَعَهُ شَاهِداً مِنْ أَحَادِيثِنَا الْمُتَقَدِّمَةِ ، فَإِنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ سَعِيدٍ لَعَنَهُ اللَّهُ دَسَّ فِي كُتُبِ أَصْحَابِ أَبِي أَحَادِيثَ لَمْ يُحَدِّثْ بِهَا أَبِي فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ لَا تَقْبَلُوا عَلَيْنَا مَا خَالَفَ قَوْلَ رَبِّنَا تَعَالَى وَ سُنَّةَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله فَإِنَّا إِذَا حَدَّثْنَا قُلْنَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله . قَالَ يُونُسُ وَافَيْتُ الْعِرَاقَ فَوَجَدْتُ بِهَا قِطْعَةً مِنْ أَصْحَابِ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام وَ وَجَدْتُ أَصْحَابَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام مُتَوَافِرِينَ فَسَمِعْتُ مِنْهُمْ وَأَخَذْتُ كُتُبَهُمْ فَعَرَضْتُهَا بَعْدُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا عليه السلام فَأَنْكَرَ مِنْهَا أَحَادِيثَ كَثِيرَةً أَنْ يَكُونَ مِنْ أَحَادِيثِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام وَ قَالَ لِي : إِنَّ أَبَا الْخَطَّابِ كَذَبَ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام لَعَنَ اللَّهُ أَبَا الْخَطَّابِ ، وَ كَذَلِكَ أَصْحَابُ أَبِي الْخَطَّابِ يَدُسُّونَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا فِي كُتُبِ أَصْحَابِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام فَلَا تَقْبَلُوا عَلَيْنَا خِلَافَ الْقُرْآنِ فَإِنَّا إِنْ تَحَدَّثْنَا [حَدَّثْنَا] حَدَّثْنَا بِمُوَافَقَةِ الْقُرْآنِ وَ مُوَافَقَةِ السُّنَّةِ إِنَّا عَنِ اللَّهِ وَ عَنْ رَسُولِهِ نُحَدِّثُ وَ لَا نَقُولُ قَالَ فُلَانٌ وَ فُلَانٌ فَيَتَنَاقَضُ كَلَامُنَا إِنَّ كَلَامَ آخِرِنَا مِثْلُ كَلَامِ أَوَّلِنَا وَ كَلَامَ أَوَّلِنَا مِصْدَاقٌ لِكَلَامِ آخِرِنَا وَ إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ يُحَدِّثُكُمْ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَرُدُّوهُ عَلَيْهِ وَ قُولُوا أَنْتَ أَعْلَمُ وَ مَا جِئْتَ بِهِ فَإِنَّ مَعَ كُلِّ قَوْلٍ مِنَّا حَقِيقَةً وَ عَلَيْهِ نُورٌ فَمَا لَا حَقِيقَةَ مَعَهُ وَ لَا نُورَ عَلَيْهِ فَذَلِكَ قَوْلُ الشَّيْطَانِ [8] إذا كانت هذه الحالة في زمن الإمام الباقر والصادق وبقية الأئمة عليهم السلام وهم بين ظهرانيهم من التلاعب والتزوير والوضع فكيف الحال الآن التي بعدت الشقة ؟ فهل يا ترى قد عصمت كتب الحديث من الدس والتزوير والوضع – كما يدعيه البعض - أم أن الأمر بالعكس أصبحت الأمة ومدرسة أتباع أهل البيت في خطر جدي يتهدد كيانها ووجودها . لذا فإننا نحذر بكل شدة من مغبة البساطة والتساهل فيما يعود إلى نقل روايات أهل بيت العصمة والطهارة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً ، وتنزيلهم إلى أقل من سائر الناس ، فإن سائر الناس لا يقبلون أن ينسب إليهم أي قول أو فعل إلا بعد التأكد منه وتوثيقه ، فما بالك بأئمة أهل البيت عليهم السلام الذي يدين بأقوالهم وأفعالهم مئات الملايين من المسلمين ، إننا نصرخ وننادي وبكل مرارة وحرقة إنما يستعمله البعض من التساهل في نسبة كثير من الأحاديث إليهم ومنها ( حديث الكساء الموضوع ) الذي لا يتناسب مع مقاماتهم العالية ورسالتهم التي حملوها وأرادوا أن يوصلوها إلى العالم كله ، إن هذا التساهل وقبول ما هب ودب باسمهم هو في الحقيقة أشد عليهم من السهام والرماح والسيوف التي مزقت قلوبهم وأجسادهم وضرجتهم بدمائهم حتى سقطوا في ساحة الجهاد مقطع الأشلاء فإن تلك وإن كانت مؤلمة وكبيرة إلا أن هذه المرويات التي تنسب إليهم أكثر إيلاما من الحراب لأن تلك مؤلمة للجسد وهذه مؤلمة للروح وللدين وللمبادئ التي هي أعز عليهم من أجسادهم وحياتهم ، إن الإمام الصادق عليه السلام في النص الآتي يوضح لنا هذا المفهوم بكل وضوح : قال أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام لرجل قدم عليه من الكوفة فسأله عن شيعته ، فأخبره بحالهم . فقال أبو عبد الله عليه السلام : ليس اجتماع أمرنا بالتصديق والقبول فقط ، إن احتمال أمرنا ستره وصيانته عن غير أهله ، فأقرئهم السلام وقل لهم : رحم الله عبدا اجتر مودة الناس إلينا وإلى نفسه ، فحدثهم بما يعرفون وسترعنهم ما ينكرون ويجهلون . والله ، ما الناصب لنا حربا بأشد علينا مؤونة من الناطق علينا بما ذكر ، ولو كانوا يقولون عني ما أقول ما عبأت بقولهم ولكانوا أصحابي حقا [9] . فهذا الحديث يشير إلى ما يلي : الخطاب موجه لشيعتهم والموالين لهم وتحميلهم مسؤولية كبرى . إن التعبير بكلمة ( الناس ) المتكررة في جملة من أحاديثهم يراد بها بعض المسلمين الذين لا يرون إمامتهم. أن من حق الأئمة عليهم السلام على شيعتهم أن يكونوا زيناً لهم وسببا في محبة سائر المسلمين لهم )عليهم السلام) وإلى الشيعة أنفسهم . أن يحدث سائر المسلمين – كما الآن في الفضائيات والانترنت والبالتوك وغيرها – بما يتناسب مع حال المسلمين وثقافتهم ولا يحدثهم عن أهل البيت بما يبعدهم عنهم . أن الشيعي الذي يحدث بخلاف ما يقوله الأئمة عليهم السلام وبما يؤدي إلى نفرة المسلمين عن أهل البيت وشيعتهم فمثل هذا أشد على أهل البيت ممن حاربهم بالسلاح . أن هؤلاء الشيعة الذي يروون روايات تنفر المسلمين عن أهل البيت وشيعتهم وتبعدهم عنهم لو كانت صادرة من الإمام الصادق عليه السلام – كما يدعيه البعض – لكان الإمام الصادق ملزماً بها و لما عبئ بهم ولكانوا من أصحابه حقاً ولكن الأمر على خلاف ذلك تماماً . المتساهلون في الروايات باسم أهل البيت عليهم السلام : البعض يروي ما هب ودب وحتى الخرافات والموضوعات باسم أهل البيت وإذا كان في نقله عن سائر الناس أو مرجع من المراجع يتحرى ويتحرز من المساءلة أمام الآخرين فمثلا لو نقل فتوى لمرجع ما ولم يكن موثقاً لما نقله وتبينت الفتوى خلاف ما نقله فإنه سوف يلام وربما يلاحق فتسقط عدالته أو علميته أو وثاقته خصوصاً إذا كانت الفتوى مصيرية . أما مع أهل البيت عليهم السلام فحيث لا مساءلة الآن فيتساهل وينقل من أي كتاب موثوق به أو غير موثوق به ، وعن أي راو : ثقة أو غير ثقة ، ومضمون الحديث سواء أكان مطابقاً للقرآن الكريم وروايات أهل البيت الثابتة عنهم أم لم يكن مطابقاً ، إن هذه الحالة لم تكن وليدة اليوم وإنما كانت في زمن الأئمة عليه السلام وبالأخص الإمام الصادق عليه السلام فقد جاء في الحديث الصحيح عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ( الصادق ) عليه السلام يَقُولُ : ( رَحِمَ اللَّهُ عَبْداً حَبَّبَنَا إِلَى النَّاسِ وَلَمْ يُبَغِّضْنَا إِلَيْهِمْ . أَمَا وَاللَّهِ لَوْ يَرْوُونَ مَحَاسِنَ كَلَامِنَا لَكَانُوا بِهِ أَعَزَّ وَمَا اسْتَطَاعَ أَحَدٌ أَنْ يَتَعَلَّقَ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ وَلَكِنْ أَحَدُهُمْ يَسْمَعُ الْكَلِمَةَ فَيَحُطُّ إِلَيْهَا عَشْراً ) [10] والمراد به بعض العلماء والرواة من شيعتهم كما جاء صريحا فيما روي عن أبي جعفر الباقر عليه السلام ، أنه قال : ( رحم الله عبدا من شيعتنا حببنا إلى الناس ولم يبغضنا إليهم . أما والله لو يروون ما نقول ، ولا يحرفونه ، ولا يبدلونه علينا برأيهم ما استطاع أن يتعلق عليهم بشيء ، ولكن أحدهم يسمع منا الكلمة فينيط عشرا ويتناولها برأيه ....... ) [11]. وقَالَ أَبُو عَمْرٍو الْكَشِّيُّ قَالَ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُؤَلَّفِ فِي إِثْبَاتِ إِمَامَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام قُلْتُ لِشَرِيكٍ : إِنَّ أَقْوَاماً يَزْعُمُونَ أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ ضَعِيفُ في الْحَدِيثِ ! فَقَالَ : أُخْبِرُكَ الْقِصَّةَ : كَانَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَجُلًا صَالِحاً مُسْلِماً وَرِعاً ، فَاكْتَنَفَهُ قَوْمٌ جُهَّالٌ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِ وَ يَخْرُجُونَ مِنْ عِنْدِهِ وَ يَقُولُونَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَ يُحَدِّثُونَ بِأَحَادِيثَ كُلُّهَا مُنْكَرَاتٌ كَذِبٌ مَوْضُوعَةٌ عَلَى جَعْفَرٍ ، يَسْتَأْكِلُونَ النَّاسَ بِذَلِكَ وَ يَأْخُذُونَ مِنْهُمُ الدَّرَاهِمَ ، فَكَانُوا يَأْتُونَ مِنْ ذَلِكَ بِكُلِّ مُنْكَرٍ ، فَسَمِعَتِ الْعَوَامُّ بِذَلِكَ مِنْهُمْ فَمِنْهُمْ مَنْ هَلَكَ وَ مِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ ، وَ هَؤُلَاءِ مِثْلُ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ وَ بيانٍ وَ عُمَرَ النَّبَطِيِّ وَ غَيْرِهِمْ ، ذَكَرُوا أَنَّ جَعْفَراً حَدَّثَهُمْ : إنَّ مَعْرِفَةَ الْإِمَامِ تَكْفِي مِنَ الصَّوْمِ وَ الصَّلَاةِ ، وَ حَدَّثَهُمْ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ وَ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَ أَنَّ عَلِيّاً عليه السلام فِي السَّحَابِ يَطِيرُ مَعَ الرِّيحِ ، وَ أَنَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَ أَنَّهُ كَانَ يَتَحَرَّكُ عَلَى الْمُغْتَسَلِ ، وَ أَنَّ إِلَهَ السَّمَاءِ وَ إِلَهَ الْأَرْضِ الْإِمَامُ ، فَجَعَلُوا لِلَّهِ شَرِيكاً جُهَّالٌ ضُلَّالٌ ، وَ اللَّهِ مَا قَالَ جَعْفَرٌ شَيْئاً مِنْ هَذَا قَطُّ ، كَانَ جَعْفَرٌ أَتْقَى لِلَّهِ وَ أَوْرَعَ مِنْ ذَلِكَ ، فَسَمِعَ النَّاسُ ذَلِكَ فَضَعَّفُوهُ وَ لَوْ رَأَيْتَ جَعْفَراً لَعَلِمْتَ أَنَّهُ وَاحِدُ النَّاسِ [12] هذه الروايات تشير إلى فئتين من الشيعة خالفت الأئمة عليهم السلام : المجموعة الأولى : كانت محسوبة عليهم وهي في عداد شيعتهم ولكن مع ذلك لا تلتزم حرفياً بما تنقله عنهم خصوصاً فيما يرجع إلى الأطراف التي يختلفون معهم بل يحرفون ويبدلون ويزيدون عليها برأيهم ما شاءوا فيسبب لهم ولأهل البيت المشاكل والاتهامات العقدية والفقهية والأخلاقية .وهذا ما تشير إليه الروايات الثلاث الأول. ومع الأسف الشديد أن هذه الحالة لا تزال مستمرة إلى يومنا هذا فبالرغم من وجود هذه الروايات وأمثالها إلا أن البعض لا يزال يصر على منهجية المخالفة باسم مذهب أهل البيت ويزاد وينقص في بعض الأحاديث ويمكن أن يكون من مصاديق هذه الحالة وأمثلتها هو ( حديث الكساء الموضوع ) الذي نتحدث عنه فإن سنده مختلق مكذوب ومضمونه يتنافى مع كل الروايات التي تقدمت حول ( حديث الكساء المتواتر ) . المجموعة الثانية : هم المنحرفون أساساً عن أهل البيت عليهم السلام ولكنهم اختلطوا واختفوا بين أصحاب الأئمة وهذه الفئة تعرف بالغلاة والمفوضة ورووا روايات باسم الأئمة وهم منها براء . ومثل هذه الفئة قد تصدى الأئمة عليهم السلام في زمنهم لها بكل قوة وجدية وعزم راسخ حتى شهروا بها وبعقائدها المنحرفة وحذروا شيعتهم منها خصوصاً الشباب وأن لا ينخدعوا بها . ولكن مع الأسف الشديد أن تراث أتباع مدرسة أهل البيت لا تزال بعض رواياتهم التي نسبوها إلى الأئمة عليهم السلام مختلطة بروايات أهل البيت عليهم السلام الذي يدعو إلى الغربلة وتصفية المكذوب والموضوع والمدسوس فيها . قال الشيخ المفيد : و السبب في ذلك أنه عمل على ظواهر الأحاديث المختلفة و لم يكن ممن يرى النظر فيميز بين الحق منها و الباطل و يعمل على ما يوجب الحجة و من عول في مذهبه على الأقاويل المختلفة و تقليد الرواة كانت حاله في الضعف ما وصفناه [13] عود على ذب بدء : نرجع مرة أخرى ونذكر بما تقدم حول ( حديث الكساء المتواتر ) وعن سنده وأنه من الأحاديث المسلمة لدى عموم المسلمين والذي اعترف بصحته العلماء سنة وشيعة وقالوا بتواتره سنداً ومضموناً . نأتي الآن إلى رواية تتداول بعنوان ( حديث الكساء ) تنسب مرة إلى كتاب العوالم للشيخ عبد الله البحراني ومرة أخرى إلى منتخب الطريحي ، وثالثة إلى كتاب الغرر للديلمي ورابعة إلى مفاتيح الجنان للشيخ عباس القمي . نحاول أن ندرس قيمة هذه الرواية من حيث السند والمتن ، ومدى صحة النسبة إلى هذه الكتب ، ولكن الآن وفي هذه العجالة نتحدث عن جانب السند وعن أصل وجوده وأنه هل له أصل أو لا ؟ أو أنه موضوعاً ، وأما من حيث المتن فنبحثه في فرصة أخرى . صورة هذا الحديث : بسم الله الرحمن الرحيم قال الشيخ عبد الله البحراني صاحب العوالم رأيت بخط الشيخ الجليل السيد هاشم البحراني عن شيخه الجليل السيد ماجد البحراني عن الشيخ الحسن بن زين الدين الشهيد الثاني عن شيخه المقدس الأردبيلي عن شيخه بن عبد العالي الكركي عن الشيخ علي ابن هلال الجزائري عن الشيخ أحمد بن فهد الحلي عن الشيخ علي بن الخازن الحائري عن الشيخ ضياء الدين علي بن الشهيد الأول عن أبيه عن فخر المحققين عن شيخه ووالده العلامة الحلي عن شيخه المحقق ابن نما الحلي عن شيخه محمد بن إدريس الحلي عن ابن حمزة الطوسي صاحب ثاقب المناقب عن الشيخ الجليل محمد بن شهرآشوب عن الطبرسي صاحب الاحتجاج عن شيخه الجليل الحسن بن محمد بن الحسن الطوسي عن أبيه شيخ الطائفة الحقة عن شيخه المفيد عن شيخه ابن قولويه القمي عن شيخه الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه إبراهيم بن هاشم عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي عن قاسم بن يحيى الجلاء الكوفي عن أبي نصر عن أبان بن تغلب عن جابر بن يزيد الجعفي عن جابر بن عبد الله الأنصاري رحمة الله عليهم أجمعين أنه قال :بسم الله الرحمن الرحيم سمعت فاطمة الزهراء عليها سلام الله ( بنت رسول الله ( ص ) خ ل ) أنها قالت دخل علي أبي رسول الله صلى الله عليه وآله في بعض الأيام فقال : السلام عليك يا فاطمة ، فقلت وعليك السلام يا أبتاه ، فقال : إني لأجد في بدني ضعفا فقلت له : أعيذك بالله يا أبتاه من الضعف فقال : يا فاطمة ايتيني بالكساء اليماني وغطيني به ، فأتيته وغطيته به وصرت أنظر إليه فإذا يتلألأ كأنه البدر في ليلة تمامه وكماله فما كانت إلا ساعة وإذا بولدي الحسن عليه السلام قد أقبل فقال : السلام عليك يا أماه فقلت وعليك السلام يا قرة عيني وثمرة فؤادي فقال لي : يا أماه إني أشم عندك رائحة طيبة كأنها رائحة جدي رسول الله صلى الله عليه وآله ، فقلت : نعم يا ولدي إن جدك تحت الكساء فأقبل الحسن ( ع ) نحو الكساء وقال السلام عليك يا جداه يا رسول الله أتأذن لي أن أدخل معك ، فقال : وعليك السلام يا ولدي وصاحب حوضي قد أذنت لك فدخل معه تحت الكساء فما كانت إلا ساعة فإذا بولدي الحسين ( ع ) قد أقبل وقال : السلام عليك يا أماه ، فقلت : وعليك السلام يا قرة عيني وثمرة فؤادي ، فقال لي : يا أماه إني أشم عندك رائحة طيبة كأنها رائحة جدي رسول الله ( ص ) فقلت : نعم يا بني إن جدك وأخاك تحت الكساء فدني الحسين ( ع ) نحو الكساء وقال : السلام عليك يا جداه السلام عليك يا من اختاره الله أتأذن لي أن أكون معكما تحت هذا الكساء فقال : وعليك السلام يا ولدي ويا شافع أمتي قد أذنت لك ، فدخل معهما تحت الكساء فأقبل عن ذلك أبو الحسن علي بن أبي طالب ، وقال : السلام عليك يا فاطمة يا بنت رسول الله ( ص ) فقلت : وعليك السلام يا أبا الحسن ويا أمير المؤمنين فقال : يا فاطمة إني أشم عندك رائحة طيبة كأنها رائحة أخي وابن عمي رسول الله ( ص ) فقلت : نعم ها هو مع ولديك تحت الكساء ، فأقبل علي نحو الكساء وقال : السلام عليك يا رسول الله ص أتأذن لي أن أكون معكم تحت الكساء قاله وعليك السلام يا أخي وخليفتي وصاحب لوائي في المحشر ، نعم قد أذنت لك ، فدخل علي تحت الكساء ثم أتيت نحو الكساء وقلت : السلام عليك يا أبتاه يا رسول الله أتأذن لي أن أكون معكم تحت الكساء ، قال لي وعليك السلام يا بنتي ويا بضعتي قد أذنت لك فدخلت معهم فلما اكتملنا واجتمعنا جميعا تحت الكساء فأخذ أبي رسول الله بطرفي الكساء وأومي بيده اليمنى إلى السماء وقال : اللهم إن هؤلاء أهل بيتي وخاصتي وحامتي ، لحمهم لحمي ، ودمهم دمي ، يؤلمني ما يؤلمهم ويحزنني ما يحزنهم ، وأنا حرب لمن حاربهم ، وسلم لمن سالمهم ، وعدو لمن عاداهم ، ومحب لمن أحبهم ، وإنهم مني وأنا منهم ، فاجعل صلواتك وبركاتك ورحمتك وغفرانك ورضوانك علي وعليهم ، وأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، فقال عزو جل : يا ملائكتي يا سكان سماواتي إني ما خلقت سماءا مبنية ولا أرضا مدحية ولا قمرا منيرا ولا شمسا مضيئة ولا فلكا يدور ولا فلكا تسري ولا بحرا يجري إلا لمحبة هؤلاء الخمسة الذين هم تحت الكساء ، فقال الأمين جبرئيل يا رب : ومن تحت الكساء ، فقال الله عزو جل : هم أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة وهم فاطمة وأبوها وبعلها وبنوها ، فقال جبرئيل : يا رب أتأذن لي أن أهبط إلى الأرض لأكون معهم سادسا ، فقال الله عز وجل ، قد أذنت لك ، فهبط الأمين جبرئيل وقال لأبي : السلام عليك يا رسول الله ص العلي الأعلى يقرئك السلام ويخصك بالتحية والاكرام ، ويقول لك : وعزتي وجلالي : إني ما خلقت سماءا مبنية ولا أرضا مدحية ولا قمرا منيرا ولا شمسا مضيئة ولا فلكا يدور ولا بحرا يجري ولا فلكا تسري لأجلكم ومحبتكم ، وقد أذن لي أن أدخل معكم ، فهل تأذن لي أنت يا رسول الله ، فقال أبي : وعليك السلام يا أمين وحي الله نعم قد أذنت لك ، فدخل جبرئيل معنا تحت الكساء ، فقال جبرئيل لأبي : إن الله قد أوحى إليكم يقول : إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ، فقال علي يا رسول الله أخبرني ما لجلوسنا هذا تحت هذا الكساء من الفضل عند الله ، فقال ص : والذي بعثني بالحق نبيا ، واصطفاني بالرسالة نجيا ، ما ذكر خبرنا هذا في محفل من محافل أهل الأرض وفيه جمع من شيعتنا ومحبينا إلا ونزلت عليهم الرحمة وحفت بهم الملائكة واستغفرت لهم إلى أن يتفرقوا ، فقال علي : إذا والله فزنا وفاز شيعتنا ورب الكعبة ، فقال أبي يا علي : والذي بعثني بالحق نبيا ، واصطفاني بالرسالة نجيا ما ذكر خبرنا هذا في محفل من محافل أهل الأرض وفيه جمع من شيعتنا ومحبينا وفيهم مهموم إلا وفرج الله همه ، ولا مغموم إلا وكشف الله غمه ، ولا طالب حاجة إلا وقضى الله حاجته ، فقال علي إذا والله فزنا وسعدنا وكذلك شيعتنا فازوا وسعدوا في الدنيا والآخرة برب الكعبة ، انتهى [14] انظر صورة المخطوطة من كتاب ( عوالم العلوم ) التي على هامشها حديث الكساء الموضوع . الطبعة الثانية . وكما تقدم الحديث ينبغي أن يكون الكلام: 1- حول السند 2- حول المتن والمضمون . أما من حيث السند : فإن هذا الحديث لم ينقل في الكتب المعتبرة الروائية لا من السنة ولا من الشيعة ، لا في الكتب الأربعة ولا المجاميع المتأخرة التي اعتنت بجمع الأحاديث في فضائل أهل البيت مثل بحار الأنوار ولم يتضح له سند إلى حد الآن وما يمكن أن يقال الاعتماد في سنده نسبته إلى جملة من الكتب : نسبته إلى كتاب العوالم للشيخ عبد الله البحراني : التعريف بالكتاب ومؤلفه : [15] قال الشيخ الطهراني في الذريعة : كتاب العوالم الموسوم جامع العلوم و المعارف و الأحوال من الآيات و الأخبار و الأقوال و هو الكتاب الكبير الذي يزيد على مجلدات البحار بكثير بل قيل: إنه يبلغ مائة مجلد و سمعت: أن جميعها موجود في بلدة يزد للعالم المتتبع الخبير المحدث الشيخ عبد الله بن نور الدين أو نور الله البحراني تلميذ محمد باقر المجلسي و قد طبع في 1318 بعض مجلداته كمقتله و يعبر عنه عوالم العلوم و المعارف .... [16] وقيل حسب تجزئة المؤلف أنه 100 كتاب 50 منه في الأصول و50 منه في الفروع وأن مجموع أجزائه يزيد على 128 جزءا . وأخيراً طبع بعض أجزائه وربما يقال أن أكثره مأخوذ من كتاب البحار إن لم يكن نسخة منه . قال الميرزا النوري في الفيض القدسي : ( الفاضل المتتبع الخبير النقاد الشيخ عبد الله بن نور الدين صاحب العوالم في مجلدات شائعة إلا أنها بحار أستاذه الأعظم ألبسها صورة أخرى ) [17] وقال السيد حسن الصدر : ( وقد ألبس بحار أستاذه ثوباً آخر فسماه العوالم ) [18] ومن راجع الكتابين وجد صحة ذلك . حديث الكساء منسوب إلى هذا الكتاب : كثيراً ما كنا نسمع ويتناقل عن حديث الكساء هذا أنه رواه صاحب عوالم العلوم بسند صحيح . وأخيراً طبع هذا المجلد المنسوب إليه حديث الكساء أولا بدونه والنسخة الخطية خالية منه ثم طبع مرة أخرى معه -كما تقدم - وقاله المشرف على تحقيق الكتاب وطبعه . فهذه النسبة إلى الكتاب غير صحيحة وذلك لما يلي : اختلاف النسخ للكتاب . أن هذه الزيادة على الهامش وليس في الأصل . أن هذا الحديث من ثقافة الحواشي . أن هذا الحديث مخالف للحديث المتواتر باسم حديث الكساء . سند حديث الكساء الموضوع : أمارات الوضع ظاهرة على سند هذا الحديث وإلا قل لي بربك ما هو السبب الذي دعا هذا الحديث أن يختفي أكثر من 1000 سنة ولم يخرج إلا في القرن الحادي عشر أو الثاني عشر ولم يروه أحد قبل هذا التاريخ في كتاب لا ممن ذكر في سلسة السند الموضوعة ولا غيرهم من العلماء وإليك السند : الشيخ عبد الله البحراني صاحب العوالم المتوفى في القرن 12 هجري قال : ( رأيت بخط الشيخ الجليل ) ويمكن الملاحظة عليه بما يلي : تعبيره بالشيخ مع كونها سيداً من السادات ولم يكن معهودا لدى شيعة أهل البيت العارفين بهم خصوصاً في ما يصطلح عليه في البحرين ، والشيخ والسيد ينسبان لها . لم يوجد في الكتاب إلا على هامش بعض النسخ مما يؤكد أن هذا الكلام والتعبير لم يكن للشيخ عبد الله البحراني بل هو مزور ومكذوب عليه . على فرض أن هذا كلام صاحب العوالم ، فإن كتاب العوالم هو كتاب البحار في ثوب آخر – كما عبر عنه بعض الأعلام - ، وهذا الحديث لا يوجد في البحار فيبعد وجوده في العوالم . لماذا الشيخ البحراني سجل كل شاردة وواردة وفي وسط كتابه البالغ 128 مجلداً ولم يجد لهذا الحديث صفحة بيضاء يسجله فيها في داخل موسوعته ألا يستحق منه ذلك ؟ !. لماذا الشيخ البحراني الذي يذكر لكل حديث مصدره وفي أي كتاب ؟ ، ولم يذكر مصدره لهذا الحديث وفي أي كتاب من كتب السيد هاشم البحراني وجد خطه ؟ هل كان خطه على كتاب أو في مؤلَّف أو في ورقة مستقلة أو في إجازة ، حينئذ لماذا لم يذكره ؟ . هذا الحديث يتناسب مع فضائل الخمسة عليهم السلام فإذا كان نسيه في فضائل النبي صلى الله عليه وآله فلماذا لم يضعه في داخل الأجزاء الأخرى في فضائل بقية الخمسة عليهم السلام . وإنما ذكره في موضع واحد في الهامش . والاحتمال الأقوى أن الشيخ عبد الله البحراني لم يره ولم يسمع به طيلة حياته ولم يجده لا بخط السيد هاشم البحراني ولا من غيره . إن عدم وجدان الحديث في الكتب المعتبرة - وإن كان يتناقل على الألسن - مما يدلل على ضعفه فإن عدم احتواء الكتب المعتبرة على الحديث مع وجود الواعي عليه مما يقوي احتمال وضعه . قال الشيخ الطوسي في كتاب الصوم من التهذيب حول اعتراضه على بعض الأخبار التي تنقل عن عالم له كتاب ولم يضمنه كتابه بل نسب إليه شفهياً كما في خبر منسوب إلى حذيفة بن منصور ولا توجد في كتابه قال : وَ هَذَا الْخَبَرُ لَا يَصِحُّ الْعَمَلُ بِهِ مِنْ وُجُوهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ مَتْنَ هَذَا الْحَدِيثِ لَا يُوجَدُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأُصُولِ الْمُصَنَّفَةِ وَ إِنَّمَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي الشَّوَاذِّ مِنَ الْأَخْبَارِ . وَ مِنْهَا :أَنَّ كِتَابَ حُذَيْفَةَ بْنِ مَنْصُورٍ رَحِمَهُ اللَّهُ عَرِيَ مِنْهُ وَ الْكِتَابُ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ وَ لَوْ كَانَ هَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحاً عَنْهُ لَضَمَّنَهُ كِتَابَهُ . وَ مِنْهَا : أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ مُخْتَلِفُ الْأَلْفَاظِ مُضْطَرِبُ الْمَعَانِي أَ لَا تَرَى أَنَّ حُذَيْفَةَ تَارَةً يَرْوِيهِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام وَ تَارَةً يَرْوِيهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام بِلَا وَاسِطَةٍ وَ تَارَةً يُفْتِي بِهِ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ فَلَا يُسْنِدُهُ إِلَى أَحَدٍ وَ هَذَا الضَّرْبُ مِنَ الِاخْتِلَافِ مِمَّا يُضْعِفُ الِاعْتِرَاضَ بِهِ وَ التَّعَلُّقَ بِمِثْلِهِ وَ مِنْهَا : أَنَّهُ لَوْ سَلِمَ مِنْ جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ لَكَانَ خَبَراً وَاحِداً لَا يُوجِبُ عِلْماً وَ لَا عَمَلًا وَ أَخْبَارُ الْآحَادِ لَا يَجُوزُ الِاعْتِرَاضُ بِهَا عَلَى ظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَ الْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَ لَوْ كَانَ هَذَا الْخَبَرُ مِمَّا يُوجِبُ الْعِلْمَ لَمْ يَكُنْ فِي مَضْمُونِهِ مَا يُوجِبُ الْعَمَلَ عَلَى الْعَدَدِ دُونَ الْأَهِلَّةِ [19] إن ما ذكره الشيخ الطوسي في اعتراضه على خبر حذيفة بن منصور الشاذ الوارد في الصيام ولم يذكره في كتابه مشابه لما نسب من ( حديث الكساء الموضوع ) لكتاب العوالم تماماً فهو : لم يذكر في الكتب الحديثية المعروفة كالكتب الأربعة أو المجاميع المتأخرة كالبحار والوافي والوسائل ولا كتب الصدوق ولا كتب المفيد ولا كتب الطوسي . أن هذا الحديث لو كان صحيحاً – كما يزعم البعض – لذكره رجال سلسة السند في كتبهم فإن الكثير من كتبهم مشهورة وقد تعرضوا لآية التطهير بصورة عامة ولحديث الكساء بصورة خاصة . أن هذا الحديث مختلق الألفاظ فضلا أنه مختلف فإن ( حديث الكساء المتواتر ) يختلف عن هذه القصة تماماً سنداً ومتناً . أن هذا الخبر الذي لا أصل له لا يمكن الاعتراض به وتقديمه على الخبر المتواتر ( حديث الكساء المتواتر ) المتقدم في حلقة سابقة . وللحديث تتمة . [1] منتهى الآمال الفصل التاسع في إرسال أهل البيت عليهم السلام إلى المدينة ج 1 ص 788 طبع قم - مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم [2] الذريعة إلى تصانيف الشيعة، ج6، ص: 7 [3] الذريعة إلى تصانيفالشيعة، ج6، ص: 7 [4] الذريعة إلى تصانيف الشيعة، ج6، ص: 8 [5] الذريعة إلى تصانيف الشيعة، ج6، ص: 8 [6] يقصد النسخة الخطية من نسخة مكتبة جامعة طهران . [7] الكوثر ج 2 ص 359 عن العوالم ص 635و638 . [8] بحار الأنوار ج : 2 ص : 250 عن رجالابنداود ص 517 رقم 495- المغيرة بن سعيد ... و رجال الكشي ص 224 في المغيرة بن سعيد [9] - شرح الأخبار - القاضي النعمان المغربي ج 3 ص 507 ح1456 [10] الكافي ج : 8 ص : 229 حديث 293 رواه ثقة الإسلام الكليني عن حميد بن زياد ، وثقه النجاشي والشيخ الطوسي وغيرهما ، عن الحسن بن محمد ، والمراد به ابن سماعة ، وثقه النجاشي صريحاً ، عن وهيب بن حفص ، وثقه النجاشي والشيخ الطوسي ، عن أبي بصير وهو ثقة سواء كان يحيى بن القاسم أو ليث بن البختري فكلاهما ثقة . [11] - شرح الأخبار - القاضي النعمان المغربي ج 3 ص 506 : [12] رجال الكشي ص 390 رقم 588 ، بحار الأنوار ج : 25 ص : 303 رقم 67 عن رجال الكشي . [13] تصحيح الاعتقادات [14] عوالم العلوم ج 11 ص 635-638 كما في الكزثر ج 2 ص 349، شرح إحقاق الحق ج 2 - شرح ص 553 واللفظ له ، رسالة الشيخ محمد تقي بن الحاج الشيخ محمد باقر اليزدي البافقي نزيل قم – كما في شرح إحقاق الحق ، موسوعة كلمات الإمام الحسين (ع) - لجنة الحديث في معهد باقر العلوم (ع) - ص 75 - 78رقم 36 عن المنتخب للطريحي : 253 ، مسند فاطمة الزهراء للسيد حسين شيخ الإسلام ص 77 رقم 32 طبع دار الصفوة وص 16 رقم 9 طبع دفتر تبليغات – قم . الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء ج 19 ص 371 عن العوالم ، الكوثر ج 2 ص 349 عن العوالم . وقد نظم حديث الكساء هذا عدد من العلماء : السيد محمد بن السيد إبراهيم شرف الدين ابن السيد زين العابدين بن نور الدين علي بن علي بن حسين بن أبي الحسن الموسوي الجبعي الشحوري ، كان تولده في جبع سنة 1049 سلخ رجب وتوفي 1139 عن عمر 90 سنة ، ومن آثاره الباقية قصيدته النونية الكبيرة نظم فيها حديث الكساء على الكيفية التي رواها الطريحي في المنتخب تكملة أمل الآمل - السيد حسن الصدر - ص 335-336 ( أرجوزة ) في حديث الكساء للعلامة السيد محمد بن السيد معز الدين محمد المهدي الحسيني القزويني الحلي المتوفى سنة 1335 ، تبلغ خمسين بيتا ، أولها : روت لنا فاطمة خير النساء * حديث أهل الفضل أصحاب الكساء تقول إن سيد الأنام * قد زارني يوما من الأيام فقال لي إني أرى في بدني * ضعفا أراه اليوم قد أنحلني أوردها العلامة السيد محمد صادق آل بحر العلوم في المجموع الرائق . انظر : الذريعة - آقا بزرگ الطهراني - ج 1 - ص 470 - 471 ( حديث الكساء ) مختصر فارسي في بيان سند حديث الكساء المشهور وحديث سلسلة الذهب ألفه السيد شهاب الدين الحسيني التبريزي المعاصر نزيل قم وقد طبع في ( 1356 ) انظر : الذريعة - آقا بزرگ الطهراني - ج 6 - ص 378 [15] الذريعة إلى تصانيف الشيعة ج15، ص: 356 رقم 2282 ، الفيض القدسي في ترجمة العلامة المجلسي المطبوع ضمن بحار الأنوار ج 102 ص 98 ، روضات الجنات ج 4ص 247 ، تكملة أمل الآمل للسيد حسن الصدر ج 3 ص 378 رقم 1143 ، أعيان الشيعة ج 8 ص 87 . [16] الذريعة إلى تصانيف الشيعة، ج15، ص: 356 رقم 2282 هذا، و قد أقدم السيد محمد باقر الأبطحي على تحقيق و طبع أجزاء عديدة من هذا الكتاب . [17] الفيض القدسي في ترجمة العلامة المجلسي المطبوع ضمن بحار ا\لأنوار ج 102 ص 98 وفي طبع آخر ج 105 ص 98 . [18] تكملة أمل الآمل للسيد حسن الصدر ج 3 ص 378 . [19] تهذيبالأحكام ج : 4 ص : 169 رقم 481 وفي طبع آخر ج 4 ص 149 .
|
||
|
|
|