|
|
|
|
|
بسم الله الرحمن الرحيم المشاكل الأسباب كلها بيد الله أثر التقوى الممثل عن الإنسان
(وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا(2)وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ )[1] من السنن الطبيعية في الكون ظهور المشاكل في حياة الإنسان ، ولا يخلو منها مجتمع من المجتمعات. فعلى الصعيد الفردي: إن أكثرية أفراد بني البشر يبتلون بمختلف المشاكل مثل الأمراض والفقر والعدوان والظلم ، ويمكن لكل فرد أن يسرد قائمة بمشاكله الفردية والتي يحاول طيلة حياته أن يتطلع إلى حلها ، ولكن الكثير منها يعجز عن حلها، ولا يتركها إلا عن عجز، فضلاً عن الآمال والتطلعات التي يتمناها لمستقبل حياته. وعلى الصعيد الاجتماعي: لا تقل مشاكل المجتمع عن مشاكل الأفراد إن لم تفوقها كماً وكيفاً وتكون مستعصية عليه ، فهناك المشاكل السياسية والاقتصادية والثقافية ، وهناك المشاكل التي تكبل بها كثير من المجتمعات مثل الديكتاتورية ومصادرة الحريات والكرامات، وهناك بعض الأمراض التي تفتك بالمجتمع وهو يقف مكتوف الأيدي أمامها، ويعجز عن الوصول إلى علاج لها ، وهناك الكثير والكثير... إن المجتمع بأفراده وزرافاته وطبقاته يسعى لحل مشاكله ، وبطبيعة الحال لا يمكن إغفال الأسباب الطبيعية والاعتيادية لكل مشكلة ، بل يلزم الأخذ بها واستعمالها بشكل يضمن له حل مشاكله ، ولكن عندما تستنفذ تلك الأسباب والوسائل أو يستعصي على الإنسان استعمالها بالشكل المطلوب يأتي دور العامل الغيبي والعامل الإلهي.. عامل التقوى ليثبت للعلم أجمع أن الله هو القادر على كل شيء ، وليس هناك تعارض أو تنافي بين استعمال الأسباب الطبيعية و عامل التقوى . مع الالتفات إلى أن الأسباب كلها بيد الله سبحانه وراجعة إليه ، فهو مسبب الأسباب والأمور، صغيرها وكبيرها , حقيرها وخطيرها ،وأنها ملك له وهو على كل شيء قدير ( يقولون ليس لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله ) [2] دور التقوى فعندما تنفد قوة الإنسان وقدراته وإمكانياته ويصل في حل المشكلة إلى طريق مسدود ويسلم أمره إلى الله ، هنا تبرز أهمية التقوى في حل مشاكل الأفراد والمجتمعات بشكل أن الذي يتصف بهذه الصفة لا يتردد أن العامل قد تدخل في حل مشكلته بعد أن عجز هو عن حلها . إن نصوص القرآن الكريم والأحاديث الشريفة تشرح لنا أثر التقوى في حل مشاكل الفرد والمجتمع بشكل واضح بل والواقع العملي لما يشاهد من المتقين يثبت ذلك وإليك في هذه العجالة بعض الآثار للتقوى : 1- الانفراج للأمور: عند ما تتضايق الأمور ويصبح الإنسان في شدة ويكون لا منجى ولا ملجأ إلا إلى الله سبحانه هنا يأتي الانفراج للمتقي (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا) وهذا كما يكون للفرد كذلك يكون للمجتمع والآية وإن وردت في مورد خاص وهي حادثة الطلاق إلا أن المورد لا يخصص الوارد . ومن كلام لأمير المؤمنين عليه السلام لأبي ذر رحمه الله لما خرج إلى الربذة ([3]) يا أبا ذر ، إنك غضبت لله فارج من غضبت له .... ولو أن السماوات والأرضيين كانتا على عبد رتقا ثم اتقى الله لجعل الله له منهما مخرجا ، ولا يؤنسنك إلا الحق ، ولا يوحشنك إلا الباطل . [4] وقال النبي صلى الله عليه وآله : لو أن السماوات والأرض كانتا رتقا على عبد ثم اتقى الله لجعل الله له منهما فرجا ومخرجا . [5] 2- تسهيل الرزق : كثيرا ما يمر الإنسان بضائقة مادية سواء كان على المستوى الفردي أو الإجتماعي وحين يستنفد وسائله الإعتيادية ويمر بالإمتحان هنا يأتي دور التقوى في حل مشكلته (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا(2)وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) 3- اليسر بعد العسر : الإنسان يمر بين الحين والآخر بهزات في حياته تصقله وتربيه وقد تكون حالة العسر التي يمر بها الإنسان هي إحدى تلك الهزات ويسعى الإنسان أن يتخلص من تلك الحالة التي هو فيها وهنا يأتي دور التقوى (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا(4)) [6] ولا يجوز بحال أن تكون عند الإنسان حالة اليأس بل (سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) [7] 4- التقوى تكفر السيئات : الإنسان عندما يغفل عن مصالحه الحقيقة فيتمادى في بعض الذنوب والتقصيرات نحو خالقه ربما يصل إلى الهاوية السحيقة و لكن عندما يرجع إلى نفسه ومصلحتها ويرجع إلى خالقه ويتقه حينئذ تتبدل تلك الحالة (ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا) [8] 5-القوة على الأعداء: الإنسان ضعيف ولكن إذا اتصل بالله كان قوياً ، إن المتقي يكون عنده من القوة على الأعداء والأقدام أمامهم ما لا يكون عند غيره، فعن النبي (ص) أنه قال :(من أتقى الله عاش قوياً وسار في بلاد عدوه آمناً)[9] 6- التقوى تنجي من الشبهات . 7- التقوى تخفف سكرات الموت . 8- التقوى تخفف شدائد الآخرة : في مجمع البيان روى عن عطاء بن يسار عن ابن عباس قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله " وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا " قال : من شبهات الدنيا ومن غمرات الموت وشدائد يوم القيامة. 9 - التقوى تفرج الهم : فقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام : من اتقى الله سبحانه جعل له من كل همّ فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً [10] 10- التقوى علاج للأمراض النفسية : لقد شاع في وقتنا الحالي الأمراض النفسية بسبب المشاكل الاجتماعية وقد استعصى علاجها ولكن التقوى هو علاجها الناجع . 11- التقوى علاج للأمراض الجسدية . 12- التقوى حصن منيع عن الانحرافات العقائدية . 13- التقوى علاج للانحراف الأخلاقي . 14- التقوى أمان من الخوف . 15- التقوى تبعد عن الشدائد . 16- التقوى تذيق الإنسان حلاوة الحياة . 17- التقوى تخفف التعب والنصب . هذه الآثار العديدة قد أشار إليها أمير المؤمنين عليه السلام في -نهج البلاغة– بقوله : فإن تقوى الله دواء داء قلوبكم ، وبصر عمى أفئدتكم ، وشفاء مرض أجسادكم ، وصلاح فساد صدوركم ، وطهور دنس أنفسكم ، وجلاء عشا أبصاركم وأمن فزع جأشكم[11]، وضياء سواد ظلمتكم . فاجعلوا طاعة الله شعارا دون دثاركم[12]، ودخيلا دون شعاركم ، ولطيفا بين أضلاعكم وأميرا فوق أموركم ، ومنهلا لحين ورودكم[13]، وشفيعا لدرك طلبتكم وجنة ليوم فزعكم ، ومصابيح لبطون قبوركم ، وسكنا لطول وحشتكم ، ونفسا لكرب مواطنكم . فإن طاعة الله حرز من متالف مكتنفة ، ومخاوف متوقعة ، وأوار نيران موقدة [14]. فمن أخذ بالتقوى عزبت عنه الشدائد بعد دنوها ، وأحلولت له الأمور بعد مرارتها ، وانفرجت عنه الأمواج بعد تراكمها ، وأسهلت له الصعاب بعد إنصابها ، وهطلت عليه الكرامة بعد قحوطها ، وتحدبت عليه الرحمة بعد نفورها ، وتفجرت عليه النعم بعد نضوبها ، ووبلت عليه البركة بعد إرذاذها [15] 18- الأمان من النوازل الكونية : روى عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : أيما مؤمن أقبل قبل ما يحب الله ، أقبل الله عليه قبل كل ما يحب ، ومن اعتصم بالله بتقواه عصمه الله ، ومن أقبل الله عليه وعصمه لم يبال لو سقطت السماء على الأرض ، وإن نزلت نازلة على أهل الأرض فشملهم بلية كان في حرز الله بالتقوى من كل بلية ، أليس الله تعالى يقول : " إن المتقين في مقام أمين " [16] 19- التقي أكرم الناس : عن جميل بن صالح ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : من أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله ، ومن أحب أن يكون أتقى الناس فليتوكل على الله ....[17]. 20- التقوى عز بلا عشيرة : عن يعقوب بن شعيب قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : ما نقل الله عز وجل عبدا من ذل المعاصي إلى عز التقوى إلا أغناه من غير مال ، وأعزه من غير عشيرة ، وآنسه من غير بشر. [18] وفي كنز الكراجكى : روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال : خصلة من لزمها أطاعته الدنيا والآخرة وربح الفوز بالجنة قيل : وما هي يا رسول الله ؟ قال : التقوى من أراد أن يكون أعز الناس فليتق الله عز وجل ، ثم تلا قوله تعالى " وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا(2)وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ "[19]. 21- التقي الذي يخاف الله يخاف منه كل شيء : فعن محمد بن عيسى الكندي ، عن الصادق عليه السلام قال : من أخرجه الله من ذل المعصية إلى عز التقوى أغناه الله بلا مال ، وأعزه بلا عشيرة ، وآنسه بلا بشر ، ومن خاف الله عز وجل أخاف الله منه كل شئ ، ومن لم يخف الله عز وجل أخافه الله من كل شئ [20] وهذا مما يؤكد على أن الأشخاص الذين يصارعون الكفر والمستعمرين لبلاد المسلمين لابد لهم أولاً أن يتسلحوا بالتقوى والخوف من الله قبل أن يتسلحوا بالآلات العسكرية وقبل أن يواجهوا العدو . فعن الفتح بن يزيد الجرجاني عن أبى الحسن عليه السلام انه قال : من اتقى الله يتقى ; ومن أطاع الله يطاع ، والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة .[21] 22- التقوى تحقق الرغبات : ففي عدة الداعي : روى أحمد بن الحسين الميثمي عن رجل من أصحابه قال : قرأت جواباً من أبي عبد الله عليه السلام إلى رجل من أصحابه أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله عز وجل ، فان الله قد ضمن لمن اتقاه أن يحوله عما يكره إلى ما يحب ، و يرزقه من حيث لا يحتسب ، إن الله عز وجل لا يخدع عن جنته ، ولا ينال ما عنده إلا بطاعته إنشاء الله تعالى . [22] وبسند آخر عن أحمد بن الحسن الميثمى عن رجل من أصحابه قال : قرأت جوابا من أبى عبد الله عليه السلام إلى رجل من أصحابه : أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله ، فان الله قد ضمن لمن اتقاه أن يحوله عما يكره إلى ما يحب ويرزقه من حيث لا يحتسب ، فإياك أن تكون ممن يخاف على العباد من ذنوبهم ويأمن العقوبة من ذنبه ، فان الله عز وجل لا يخدع من (....) ولا ينال ما عنده إلا بطاعته إن شاء الله " .[23] 23- التقوى فيها الكفاية للإنسان : فعن أبى ذر الغفاري عن النبي صلى الله عليه وآله قال : إني لأعلم آية لو اخذ بها الناس لكفتهم : " ومن يتق الله " الآية فما زال يقولها ويعيدها . [24] و في كتاب جعفر بن محمد الدوريستى بإسناده إلى أبى ذر رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال : يا أبا ذر لو أن الناس كلهم أخذوا بهذه الآية لكفتهم : " وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا(2)وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ " الطلاق . [25] 24- التقوى تحقق الكرامة في الآخرة : فعن أمير المؤمنين عليه السلام قوله : واعلموا أنه من يتق الله يجعل له مخرجا من الفتن ونورا من الظلم ، ويخلده فيما اشتهت نفسه ، وينزله منزل الكرامة عنده . في دار اصطنعها لنفسه . ظلها عرشه . ونورها بهجته . وزوارها ملائكته . ورفقاؤها رسله [26] من هذه الآثار الجليلة للتقوى وكيف أنها تكون حصناً منيعاً للإنسان في حياته وتحل مشاكله يتبين أهمية التقوى للإنسان نفسه . وبما أن تقوى الله سبحانه هي التي تفتح أبواب الخير والبركة وتحل مشاكل المجتمع حينئذ يتحتم على من يجعل له ممثلاً في المجالس النيابية أو انتخاب رئيس جمهورية أو رئيس وزراء أو غيرهم من الممثلين ؛ اللازم عليه أن المنتخب من الأشخاص ينبغي عليه أن يتصف بصفة التقوى حتى يتمكن من تحقيق أهداف مجتمعه في مختلف المجالات ، ويأخذ بمجتمعه إلى طريق الخير (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا(74) الفرقان . فإذا كان هو إماماً للمتقين فمن باب الأولى أن يكون هو متقياً وهنا تكمن أهمية التقوى في القيادة للمجتمع ولذلك نرى كثير من النصوص التي تؤكد على هذا الجانب وتركز على الشريحة الصالحة التي يتوقع أن تقود المجتمع إلى شاطئ السلامة والنجاح . فعن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : ( المتقون سادة والفقهاء قادة والجلوس إليهم عبادة )[27] . وعن الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( العلماء أمناء ، والأتقياء حصون ، والعمال سادة )[28]
[1] الطلاق 2 و 3 [2] آل عمران:154 [3] محركة : موضع يبعدعن المدينة المنورة قرابة 180 كيلو متر منها 130 كيلو متر على الطريق العام المعبد المدينة القصيم وقرابة 50 كيلو متر على اليمين في الجلد فيه قبر أبي ذر الغفاري رضي الله عنه والذي أخرج إليه قسراً وقد تشرفت بزيارته في شوال عام 1421 هـ . [4] - نهج البلاغة - خطب الامام علي عليه السلام ج 2 ص 12 . [5] - بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 67 ص 285 . [6] الطلاق . [7] الطلاق : 7 . [8] الطلاق :5. [9] بحار الأنوار ج67ص283. [10] غرر الحكم رقم 8847 . [11] الجأش : ما يضطرب في القلب عند الفزع أو التهيب أو توقع المكروه [12] الشعار : ما يلي البدن من الثياب . والدثار : ما فوقه . [13] المنهل ما ترده الشاربة من الماء للشرب . والدرك - بالتحريك - اللحاق . والطلبة - بالكسر - المطلوب . والجنة - بالضم - الوقاية [14] الأوار - بالضم - حرارة النار ولهيبها . [15] نهج البلاغة - خطب الإمام علي عليه السلام ج 2 ص 112 خ 198 . [16] - بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 67 ص 285 [17] - بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 67 ص 291 [18] - بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 67 ص 282 [19] - بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 67 ص 285 [20] - بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 67 ص 289 : [21] - تفسير نور الثقلين - الشيخ الحويزي ج 5 ص 354 : [22] - بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 67 ص 285 [23] - تفسير نور الثقلين - الشيخ الحويزي ج 5 ص 355 [24] - تفسير نور الثقلين - الشيخ الحويزي ج 5 ص 356 [25] - تفسير نور الثقلين - الشيخ الحويزي ج 5 ص 358 [26] نهج البلاغة - خطب الإمام علي عليه السلام ج 2 ص 112 : [27] أمالي الطوسي ص 255 . [28] البحار 70 ص 287 .
|
||
|
|
|