منبر الجمعة

1422

 

1424

 

1423

لتحميل الأحاديث  اضغط هنا

 

1425

 

لتحميل الأحاديث أضغط هنا

 

 

 

 

 

  

 

انقلاب الموازين(التوكل على الله)

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

تعريف التوكل      التوكل على الله في الروايات      وجوب التوكل على الله      التوكل على الله في كلمات العلماء      درجات التوكل    

التوكل أحد أركان الإيمان

 

( ومن يتوكل على الله فهو حسبه )

تعريف التوكل

في اللغة : التوكل هو اظهار العجز و الإعياء[1].

وقال الراغب : والتَّوَكُّلُ يقال على وجهين :

1)      يقال توَّكَّلت لفلان بمعنى تولَّيتُ له ، ويقال : وَكَّلتُهُ فتوكل لي .

2)      وتوكلت عليه بمعنى اعتمدته [2].

في الاصطلاح :

والتوكل على الله : انقطاع العبد إليه في جميع ما يأمله من المخلوقين . وقال بعضهم (التوكل: كِلةُ الأمر كله إلى مالكه والتعويل على وكالته)

وقال آخر ( التوكل طرح البدن في العبودية وتعلق القلب بالربوبية )[3]

والحاصل : أن المعنى اللغوي والاصطلاحي متقاربان كتقارب تعابير المعنى الاصطلاحي ، فهو الاعتماد والانقطاع الكلي إلى الله سبحانه في جميع الأموروهذا ما تؤكده الروايات الآتية.

التوكل على الله في الروايات

سئل الإمام الرضا عليه السلام عن حد التوكل :

 فقال : أن لا تخاف أحدا إلا الله [4] فإن المتوكل على الله يصغر كل شيء في عينه .

وفي رواية أبي بصير ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : ليس شيء إلا وله حد ، قال : قلت : جعلت فداك فما حد التوكل ؟ قال :اليقين ، قلت : فما حد اليقين ؟ قال : ألاّ تخاف مع الله شيئاً [5]

قال سائل : للنبي صلى الله عليه وآله - في حديث -

 فقلت : وما التوكل على الله ؟ قال : العلم بأن المخلوق لا يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع ، واستعمال اليأس من الخلق ، فإذا كان العبد كذلك لا يعمل لاحد سوى الله ولم يرج ولم يخف سوى الله ، ولم يطمع في أحد سوى الله ، فهذا هو التوكل [6].

وجوب التوكل على الله

دلت كثير من الايات والروايات على وجوب التوكل على الله سبحانه وقد عقد العلماء لذلك أبواباً تحت هذا العنوان لأهميته في عقيدة المؤمن .

فمن الآيات التي دلت على وجوب التوكل على الله واللجوء إليه والتعلق به في كل صغيرة وكبيرة . هي الآية التي افتتحنا حديثنا بها ( ومن يتوكل على الله فهو حسبه ) فإذا توكل العبد على الله وحده فيكفيه ولا يحتاج إلى غيره قط . وقوله تعالى ( ربنا عليك توكلنا ) وقوله (وعلى فتوكلوا ) وقوله ( وتوكل على الله وكفى بالله وكيلاً ) وقوله عز وجل (وتوكل عليه ) وقوله سبحانه ( وتوكل على الحي الذي لا يموت ) وقوله ( فليتوكل المؤمنون )[7] فهذه الآيات الآمرة بالتوكل على الله أو المخبرة لحالة المؤمنين المتوكلين عليه كلها دالة على وجوب التوكل على الله وتسليم الأمر إليه مطلقاً .

التوكل على الله في كلمات العلماء

الواقع أن التوكل على الله هو تربية عقائدية قبل أن يكون تربية روحية وأخلاقية فالمتوكل يرى أن الله بيده ملكوت السموات والألاض والخلق كلهم محتاجون إليه وهو غني عنهم فالمحتاج ضعيف مهما كان قوياً وذليلاً ومهما أولي من استعداد للعزة .

قال المحقق الطوسي المراد بالتوكل أن يوكل العبد جميع ما يصدر عنه ويرى عليه إلى الله تعالى لعلمه بأنه أقوى وأقدر ويفعل ما قدر عليه على وجه أحسن وأكمل ثم يرضى بما فعل وهو مع ذلك يسعى ويجتهد فيما وكله إليه ويعد نفسه وعلمه وقدرته وإرادته من الاسباب والشروط المخصصة لتعلق قدرته تعالى وأرادته لما صنعه بالنسبة إليه ، ومن ذلك يظهر سر لاجبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين .[8]

وقال المولى صالح المازندراني :

التوكل على الله : وهو الإعتماد عليه والوثوق به في الرزق وغيره من الضروريات ، وقطع تعلق القلب بغيره من الاسباب والمسببات وهو يوجب قوة الإيمان وثباته إذ لو انتفى التوكل عليه وتعلق القلب بغيره من الاسباب والمسببات والوسائط تحركت الجوارح إلى تحصيلها وفرغ القلب عن ذكره وذهلت الجوارح عن طاعته ، وهو يوجب ضعف الإيمان.

 الثاني : تفويض الامر في دفع شر الاعداء وكيد الخصماء ومكائد النفس , ووسائس الشيطان أو مطلقا إلى الله كما فوض مؤمن آل فرعون أمره إلى الله  ( فوقاه الله سيئات ما مكروا ) فإن من استكفاه كفاه الله وفرغ هو لذكره وطاعته وهو يوجب قوة الإيمان وثباته . الثالث : الرضا بقضاء الله في حصول الشدة والرخاء ونزول المصيبة والبلاء ، وهذه خصلة شريفة توجب كمال الإيمان وثباته ، وانتفاؤها يوجب السخط بالله وبصنعه ، وذلك يوجب نقص الايمان بل زواله غالبا .

 الرابع : التسليم لأمر الله عز وجل والانقياد له في الشرايع والأحكام والحدود وكل ما أنزله على رسوله وهو في الحقيقة قبول قول الله وقول الرسول والأوصياء وأفعالهم ظاهرا وباطنا وتلقيها بالبشر والسرور وان كان ثقيلا على النفس وغير موافق للطبع ، وهو أصل عظيم لرسوخ الإيمان وكماله إذ لو انتفى استولى ضده وهو الشك عن القلب والشك ينافي أصل الإيمان فضلا عن كماله . [9]

درجات التوكل

عن علي بن سويد ، عن أبي الحسن الاول ( عليه السلام ) قال : سألته عن قول الله عزوجل : ( ومن يتوكل على الله فهو حسبه )([10])    فقال : التوكل على الله درجات منها أن تتوكل على الله في أمورك كلها ، فما فعل بك كنت عنه راضيا تعلم أنه لا يألوك خيرا وفضلا ، وتعلم أن الحكم في ذلك له ، فتوكل على الله بتفويض ذلك إليه وثق به فيها وفي غيرها . [11]

هذه الرواية تشرح درجات ومقامات التوكل على الله وهذه الدرجات تختلف باختلاف العباد ومقاماتهم لأن كل ذلك يتوقف على مقدار معرفتهم بربوبية المولى سبحانه وبما أن الناس معرفتهم بالربوبية مختلفة فكذلك درجات التوكل على الله تكون مختلفة :

1)     التوكل الناقص اللفظي :

( إن الناس في معرفة الربوبية مختلفون متباينون إلى حد كبير : فالموحدون عموماً يعرفون ان الحق تعالى هو خالق مبادئ الأمور ، وعناصر الأشياء ويرون أن تصرفه محدود ، ولا يقولون بإحاطته الربوبية .... ولكن ليسوا أصحاب هذا المقام لا علماً ، ولا إيماناً ، ولا شهوداً ولا وجداناً .

إن هذا الفريق من الناس – والظاهر أننا منهم – ليس لهم علم كامل بربوبية الله بل يكون توحيدهم ناقصاً ... وليس لهم مقام التوكل وهو ما يدور كلامنا عليه لفظاً وادعاءً .

لهذا فإنهم في الأمور الدنيوية ، لا يعتمدون على الحق سبحانه بأي شكل من الأشكال ولا يتشبثون إلا بالاسباب الظاهرية والمؤثرات الكونية .....[12]

2)   الطائفة الثانية المتوكلون بالدليل :

هؤلاء بعد أن ثبت لهم بالدليل العقلي أو النقلي وجوب التوكل على الله سبحانه فآمنوا به من هذا الجانب ولكن لم يدخل ذلك الإيمان قلوبهم.

( هؤلاء يتوكلون على الحق سبحانه طريق العقل أي أن أركان التوكل تام عندهم بحسب الأدلة العقلية والنقلية .... هؤلاء وإن كانوا من المتوكلين عملياً إلا أنهم لم يبلغوا مرتبة الإيمان . فهم لهذا مضطربون في اتخاذ أمر من أمورهم وعقولهم مغلوبة في الصراع مع قلوبهم لانها بالاسباب متعلقة وعن تصرف الحق سبحانه في الأشياء مجوبة )[13]

ولعل الحديث المتقدم يشير إلى هذه الطائفة لانه جعل العلم من مبادئ هذا التوكل .

3)   أصحاب مقام التوكل :

وهذه الطائفة الذين توصلوا إلى التوكل بمعرفة قلوبهم فخضعوا إليه ( فهم الذين توصلوا إلى معرفة الحق تعالى في الكائنات فآمنت تلك القلوب بأن مقدر الأمور ، ومالك الشياء هو الحق تعالى وكتبوا بقلم العقل على ألواح القلوب أركان التوكل ، هؤلاء هم أصحاب مقام التوكل )[14]

قوله ( فقال التوكل على الله درجات منها أن تتوكل على الله في امورك كلها ) قد عرفت ان شرط التوكل فيها ليس رفع اليد عن أسبابها بل شرطه عدم الإعتماد عليها والوثوق بها فلو طلب طالب الرزق مثلا رزقة من أسبابه المشروعة كالتاجر من التجارة ، والزارع من الزراعة ، وليس اعتمادهما على عملهما بل على الله سبحانه ، وعلى أن الرزق عليه ان شاء رزقه منهما وإن شاء رزقة من غيرهما حتى لو فسد العلم لم يحزنا لم يكن ذلك منافيا للتوكل ، وكذلك لو حمل الخائف من العدو سلاحا وقف الخارج من البيت بابا وشرب المريض دواء ، ولم يكن اعتمادهم على السلاح والقفل والدواء إذ كثيرا ما يغلب العدو مع السلاح ويسرق السارق بكسر القفل ولا ينفع الدواء بل اعتمادهم عليه عز وجل لم يكن هذا منافيا للتكوكل ، وبالجملة قلب المتوكل متوجه إلى الله وتوجهه إلى الوسائط والأسباب بإعتبار أن العالم عالم الأسباب وأن الله تعالى أبي أن تجرى الامور إلا بأسبابها فهو أن ظن سببا وتعرض له ولم يعتمد عليه بل على خالقه فإن تر تيب عليه الأثر شكر وإن لم يترتب لم يسخط ورضى لعلمه بأنه تعالى عالم بمصالح اموره ، وأن ما فعله كان محض الخير فهو متوكل مفوض أمره إلى الله ( تعلم أنه لا يألوك خيرا ) إلا لو التقصير وإذا عدى إلى مفعولين يضمن معنى المنع أي لا يمنعك خيرا وفضلا مقصرا في حقلك . [15]

إن النظرة إلى أن الأسباب الطبيعة مستقل التأثير عن الله سبحانة يتنافي مع التوكل أما النظرة إلى هذه الأسباب مأمور بها من قبل الله ولولا إرادته لما كان لها أي تأثير فلا مانع منه.

التوكل أحد أركان الإيمان

عن السكوني ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : قال أمير المؤمنين ( صلوات الله عليه  ) : الإيمان أركان أربعة : الرضاء بقضاء الله والتوكل على الله ، وتفويض الامر إلى الله ، والتسليم لامر الله . [16] 


[1] مجمع البحرين ج5 ص 493 .

[2] المفردات للرغب لاصفهاني ص 605 .

[3]  شرح الألاربعين للإمام الخميني ص 247 .

[4]-  مسند الامام الرضا (ع) - الشيخ عزيز الله عطاردي ج 1   ص 284 :

[5]  الكافي ج 2 ص 57 .

[6] -  وسائل الشيعة (آل البيت ) - الحر العاملي ج 15 ص 194 عن : أمالي الصدوق 270 / 8 31  معاني الاخبار 260 / 1 .

[7] هذه الآية وردت في أكثر من سورة : آل عمران :122و160 ، المائدة : 11 والتوبة : 51 وإبراهيم : 11 والمجادلة : 10 والتغابن : 13 .

[8]  أوصاف الاشراف لخواجة نصير الدين الطوسي .

[9]   شرح أصول الكافي - مولي محمد صالح المازندراني ج 8   ص 145 :

[10] الطلاق 65 : 3

[11]  وسائل الشيعة (آل البيت ) - الحر العاملي ج 15   ص 213 ح ( 20307 ) . عن الكافي 2 : 53 / 5

[12] شرح الأربعين ص 248 .

[13] شرح الأربعين ص 249 .

[14] شرح الأربعين ص 250 .

 [15]  -  شرح أصول الكافي - مولى محمد صالح المازندراني ج 8   ص 210 :

[16] - الكافي ج 2 ص 56 -  وسائل الشيعة (آل البيت ) - الحر العاملي ج 15 ص 185 ( 20236 )