منبر الجمعة

1422

 

1424

 

1423

لتحميل الأحاديث  اضغط هنا

 

1425

 

لتحميل الأحاديث أضغط هنا

 

 

 

 

 

  

 

انقلاب الموازين(آثار التوكل على الله)

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الغنى والعز   دفع الشر    أتقى الناس   الكفاية   الشعوب الخاسرة   أهمية القيادة   الرزق   المتوكل أقوى الناس   التوكل والنجاة    قوة القلب    الصبر   انقلاب الموازين    المتوكلون والمتكلون    الآثار السلبية لمن أمل غير الله

1-  الغنى والعز

عن عبد الرحمن بن كثير ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : إن الغنى والعز يجولان فإذا ظفرا بموضع التوكل أوطنا [1]

إن من أسباب الغنى والعز هو التوكل على الله سبحانه فإذا توكل العبد على الله سبحانه بقلبه ( ربنا عليك توكلنا ) ولم يلتفت إلى أي سبب من الأمور الخارجية سيغنيه الله ويعزه ويكفيه أموره .

الشرح قوله ( قال إن الغني والعز يجولان ) أي يقطعان النواحي ويمران في الأطراف كالطير طلبا للمسكن ( فإذا ظفرا بموضع التوكل أو طنا ) فالمتوكل في غنى وعز دائما أما الأول فلان ألله يكفيه ويأتي بمهماته فهو أغنى الأغنياء . وأما الثاني فلا عتزاله عن الذلك المطلق وهو الالتجاء إلى الخلق وتمسكه بالعز إلا وفروهو الملجأ إلى الله . ومعنى التوكل على الله هو الرجوع إليه والإعتماد عليه  والثقة بكفايته ، ويمكن أن يقال توكل العبد فيما ينبغي أن يفعله أو يتركه من أمر الدنيا والآخرة هو الإعتماد على الله واليقين بكفايته ، والتمسك بحوله وقوته وترقب التوفيق والإعانة منه دون الإعتماد على نفسه وحوله وقوته وقدرته وعلمه وما يظنه من الاسباب الضرورية والعادية وغيرها لا ترك وظائفه وعمله وأسباب في جلب المنافع ودفع المضار ، ومن ثم اشتهر أن التمسك بالاسباب لا ينافي التوكل وفيما يجري عليه من غيره سواء كان من قبل الله أو من قبل غيره هو تفويض نفسه وأمره إلى الله توقعاً من أن يرد عليه ما هو خير له والمعلوم أنه لا يرد عليه بعد ذلك إلا ما هو خير له في الدنيا والاخرة فعليه حينئذ القيام بمقام الرضا بالقضاء وهذا أقصى مراتب الكمال . [2]

نعم إن التمسك بالاسباب لا ينافي التوكل بشرط أن لا يرى الاسباب على نحو التأثير التام والانعزال عن الحق سبحانه وإلا كان نحواً من الشرك فلا بد من النظر إلى الحق والغفلة عن الخلق والأسباب الظاهرية .

 وقال ( صلى الله عليه وآله ) : ( من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم يسدوا فاقته ، ومن أنزلها بالله أو شك الله له الغنى ، إما موتا عاجلا ، أو غنى آجلا ) .[3]

2- دفع الشر

عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : كفارة الطيرة التوكل ) .

( كفارة الطيرة التوكل ) يعني أن التوكل على الله تعالى وهو تفويض الأمور إليه يدفع تأثيرها في النفس والبدن .[4]

إن حالة التشكيك عند كثير من الناس والتشاؤم في حال حياتهم الاجتماعية والعائلية شيء لا يعد ولا يحصى فكل من تخلف في مشروع ما ولم ينجح فيه أو لم يوفق في زواجه أو الزوجة مع زوجها أو تأخر الانجاب أو لم يحالفه الحظ في الحصول على عمل ووظيفة او غير ذلك فإنه يوعز سبب تخلفه وعدم نجاحه إلى الأعمال السحرية والشعوذة وأن الآخرين له بالمرصاد ، ويبقى في هذا الاضطراب والقلق النفسي وربما يبقى على هذه الحالة مدى حياته .

إن هذه المشكلة حلها بالتوكل على الله والثقة به وتسليم الأمر عليه فكفارة هذه الأمور هو التوكل على الحي الذي لا يموت .

3- أتقى الناس

محمد بن علي الفتال في روضة الواعظين ، عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، قال : ( من أحب أن يكون أتقى الناس ، فليتوكل على الله ) .[5]

4- النصر

 وعن الباقر ( عليه السلام ) ، أنه قال : ( من توكل على الله لا يغلب ) .[6]

إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ(7) محمد .

5-الكفاية

( أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ) الزمر/36

إن عظمة المولى سبحانه وقدرته لا يحدان بحد فهو أعظم مما نتصور قال تعالى :( إن الله على كل شيء قدير ) البقرة/20 .وغيرها

وهو وكيل عن عبده الذي توكل عليه قال تعالى (وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً(81)[7] . وقال تعالى (حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ(173)[8] فإذا الحق سبحانه بهذه العظمة غير المحدودة والقدرة المطلقة التي لا يحدها شيء وهو الوكيل عن عبده وهو نعم الوكيل فما الذي يجعل العبد يخاف من الآخرين ولا يخاف من الله سبحانه ، وهم كلهم في قبضته سبحانه.

إن هذه القضية تحتاج إلى إيمان عميق بالله سبحانه ، ولا يحس بها ولا يشعر بها إلاَّ من ذاق حلاوة الإيمان ، وربما كثير من المظلومين والمضطهدين والمعذبين يشعرون بذلك إذا انقطعوا إلى الله سبحانه وفوضوا أمورهم إليه وتوكلوا عليه .

الشعوب الخاسرة

كثير من الشعوب التي تناضل وتحارب لتحرير نفسها من الإستبداد والإستعمار تقدم الكثير والكثير من العطايا والضحايا ولكنها في آخر المطاف تخسر المعركة بعد توفر الأسباب الموضوعية . ولا يمكن لنا أن نوعز عدم النصر إلا لأجل عدم الإيمان بقدرة الله وعدم التوكل عليه وبالأخص فيما إذا كانت القيادة ليس لها الكفاءة الإيمانية من الإعتماد على الله والتوكل عليه ولم تكن عندها العقيدة الكافية بأن الله سبحانه قادر على كل شيء وبيده ملكوت كل شيء وهو كافٍ عبده (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ) .

أهمية القيادة

وهنا تبرز أهمية القيادة المؤمنة بمبادئها وعقيدتها وتمتلك الشجاعة الكافية ، فعندما تتطابق القيادة والشعب الذي تقوده في الإيمان بالحق سبحانه والتوكل عليه والإعتماد والانقطاع إليه فإن النصر يكون أقرب مما يتصوره الكثير وليس على الله بعزيز .

عن أبي حمزة الثمالي ، عن علي بن الحسين ( عليه السلام ) قال : خرجت حتى انتهيت إلى هذا الحائط فاتكأت عليه ، فإذا رجل عليه ثوبان أبيضان ينظر في تجاه وجهي ، ثم قال : يا علي بن الحسين مالي أراك كئيبا حزينا - إلى أن قال - ثم قال : يا علي بن الحسين ( عليه السلام ) هل رأيت أحدا دعا الله فلم يجبه ؟ قلت : لا قال فهل رأيت أحدا توكل على الله فلم يكفه ؟ قلت : لا ، قال : فهل رأيت احدا سأل الله فلم يعطه ؟ قلت : لا ، ثم غاب عني [9]

عن معاوية بن وهب ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : من أعطي ثلاثا لم يمنع ثلاثا : من أعطي الدعاء أعطي الإجابة ومن أعطي الشكر أعطي الزيادة ، ومن أعطي التوكل أعطي الكفاية ، ثم قال : أتلوت كتاب الله عزوجل  ( ومن يتوكل على الله فهو حسبه ) ( [10] ) وقال :  ( لئن شكرتم لأزيدنكم )  ([11]) وقال : ( ادعوني أستجب لكم ) ([12]) . [13]

نقل القطب الراوندي في لب اللباب : عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، انه قال : ( من توكل وقنع ورضي كفي المطلب ) .[14]

فهذه الرويات ومن قبلها الآيات تؤكد أن من يتوكل على الله فهو حسبه ولا يحتاج إلى غيره بل لو اعتمد على غير الله فإنه سوف يخسر المعركة إن عاجلاً أم آجلاً

6- الرزق

 روي عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أنه قال : ( لو توكلتم على الله حق توكله ، لرزقكم كما يرزق الطير ، تغدو خماصا وتروح بطانا ) ورأى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قوما لا يزرعون ، قال : ( ما انتم ؟ ) قالوا : نحن المتوكلون ، قال : ( لا بل أنتم المتكلون ) .[15]

7- المتوكل أقوى الناس

 فعن النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، انه قال : ( من احب ان يكون أقوى الناس ، فليتوكل على الله ، ومن سره أن يكون أكرم الناس ، فليتق الله ، ومن سره أن يكون أغنى الناس ، فليكن بما في يد الله أوثق مما في يده ، وقال ( صلى الله عليه وآله ) : ( لو أن رجلا على الله بصدق النية ، لاحتاجت إليه ( الامور ممن دونه ) ، فكيف يحتاج هو ومولاه الغني الحميد ؟ ) .[16]

نقل العلامة الكراجكي في معدن الجواهر : قال أمير المؤمنين عليه السلام : ( خصلة من عمل بها كان من أقوى الناس ، قيل : وما هي يا أمير المؤمنين ؟ قال : التوكل على الله عزوجل ) . [17]

8- التوكل والنجاة

قال لقمان - عليه السلام - لابنه : يا بني ، ان الدنيا بحر عميق وقد هلك فيها عالم كثير ، فاجعل سفينتك فيها الايمان بالله ، واجعل زادك فيها تقوى الله ، واجعل شراعها التوكل على الله . فان نجوت فبرحمة الله ، وإن هلكت فبذنوبك ) ([18]) .

9- قوة القلب

فقد ورد :  أصل قوة القلب التوكل على الله ([19]) .

-      أصل صلاح القلب اشتغاله بذكر الله .

10- الصبر

فقد ورد - أصل الصبر التوكل على الله .[20]

انقلاب الموازين

إن المفهوم الصحيح للتوكل على الله سبحانه وهو الإعتماد على الله والانقطاع إليه وعدم اللجوء إلى غيره . انقلب في أذهان كثير من الناس إلى أمر سلبي يلقي بأعبائه على الفرد والمجتمع ويشوه الصورة الصحيحة للتوكل على الله .

المتوكلون والمتكلون

نقل الشيخ أبو الفتوح الرازي في تفسيره : عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، أنه مر يوما على قوم ، فرآهم اصحاء جالسين في زاوية المسجد ، فقال ( عليه السلام ) : ( من انتم ؟ ) قالوا : نحن المتوكلون قال ( عليه السلام ) :  ( لا بل انتم المتأكلة ، فان كنتم متوكلين فما بلغ بكم توكلكم ؟ ) قالوا : إذا وجدنا أكلنا ، وإذا فقدنا صبرنا ، قال ( عليه السلام ) : ( هكذا تفعل الكلاب عندنا ) قالوا : فما نفعل ؟ قال : ( كما نفعل ) قالوا : كيف تفعل ؟ قال ( عليه السلام ) : ( إذا وجدنا بذلنا ، وإذا فقدنا شكرنا ) . [21]

إن هذا المفهوم السلبي هو الذي يسيطر على كثير من الناس الذين يدعون التدين والإلتزام .

وأما غير الملتزمين وغير المؤمنين فهم الذين يعتمدون على غير الله سبحانه بشكل واضح وسافر كما تقدم وكل ذلك خطأ وانحراف عن السنن الإلهية .

الآثار السلبية لمن أمل غير الله

عن الحسين بن علوان عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) أنه قرأ في بعض الكتب إن الله تبارك وتعالى يقول : وعزتي وجلالي ومجدي وارتفاعي على عرشي لاقطعن أمل كل مؤمل من الناس غيري باليأس ولاكسونه ثوب المذلة عند الناس ، ولانحينه من قربي ولابعدنه من فضلي أيؤمل غيري في الشدائد والشدائد بيدي ؟ ويرجو غيري ويقرع بالفكر باب غيري وبيدي مفاتيح الابواب وهي مغلقة وبابي مفتوح لمن دعاني ؟ فمن ذا الذي أملني لنائبة فقطعته دونها ؟ ومن الذي رجاني لعظيمة فقطعت رجاءه مني ؟ جعلت آمال عبادي عندي محفوظة فلم يرضوا بحفظي ، وملأت سماواتي ممن لا يمل من تسبيحي ، وأمرتهم أن لا يغلقوا الابواب بيني وبين عبادي فلم يثقوا بقولي ألم يعلم من طرقته نائبة من نوائبي أنه لا يملك كشفها أحد غيري إلا من بعد إذني ، فما لي أراه لاهيا عني أعطيته بجودي ما لم يسألني ، ثم انتزعته عنه فلم يسألني رده ، وسأل غيري ، أفتراني أبدأ بالعطاء قبل المسألة ، ثم اسأل فلا اجيب سائلي أبخيل أنا فيبخلني عبدي ؟ أو ليس الجود والكرم لي ؟ أو ليس العفو والرحمة بيدي ؟ أو ليس أنا محل الآمال فمن يقطعها دوني ؟ أفلا يخشى المؤملون أن يؤملوا غيري ؟ فلو أن أهل سماواتي وأهل أرضي أملوا جميعا ثم أعطيت كل واحد منهم مثل ما أمل الجميع ما انتقص من ملكي عضو ذرة ، وكيف ينقص ملك أنا قيمه ؟ فيا بؤسا للقانطين من رحمتي ، ويا بؤسا لمن عصاني ولم يراقبني .[22]

 وعن محمد بن يحيى ، عن محمد بن الحسين ، عن بعض أصحابنا ، عن عباد بن يعقوب الرواجني ، عن سعيد بن عبد الرحمن ، عن بعض ولد الحسين قال : وجدت في بعض كتب آبائي وذكر مثله ([23])

هذه الرواية بطولها تشرح خسارة الخاسرين الذين اعتمدوا على سائر الناس وعلى المخلوقين فأملوا ما في أيديهم واعتمدوا على قدرات المخلوقين دون قدرة الحق سبحانه .

ورأوا أن مشاكلهم لا يحلها إلاَّ المستعمرون والكافرون وابتعدوا عن الله والمؤمنين المخلصين به ، فخسروا الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين .

إن الرواية تؤكد بكل وضوح على أن المؤملين لغير الله في قضاء حوائجهم صغيرها وكبيرها فردية كانت أو جماعية مصيرها إلى الخذلان والخسران .

و الحمد لله رب العالمين


 


[1]   -  وسائل الشيعة (آل البيت ) - الحر العاملي ج 15   ص 212 ح ( 20306 )

[2]  -  شرح أصول الكافي - مولى محمد صالح المازندراني ج 8   ص 208 – 209 .

[3]  -  مستدرك الوسائل - الميرزا النوري ج 11   ص 220 ح 81278

[4] -  شرح أصول الكافي - مولى محمد صالح المازندراني ج 12   ص 262

[5]  -  مستدرك الوسائل - الميرزا النوري ج 11   ص 217 : [ 12784 ]

[6] -  مستدرك الوسائل - الميرزا النوري ج 11   ص 217 : [ 12785 ]

[7]  النساء: 81و132 و والاحزاب :3و48

[8] آل عمران : 173 .

[9]  -  وسائل الشيعة (آل البيت ) - الحر العاملي ج 15   ص 212 ح ( 20305 )

[10]  ) الطلاق 65 : 3

[11]  إبراهيم 14 : 7

[12]  غافر 40 : 60

[13]  -  وسائل الشيعة (آل البيت ) - الحر العاملي ج 15 ص 213 ح ( 20308 ) عن - الكافي 2: 53 / 6 واورده عن الخصال والمحاسن في الحديث 17 من الباب 2 من ابواب الدعاء

[14]  -  مستدرك الوسائل - الميرزا النوري ج 11   ص 220 ح 12787

[15] -  مستدرك الوسائل - الميرزا النوري ج 11   ص 220 ح 12789

[16] -  مستدرك الوسائل - الميرزا النوري ج 11   ص 220 ح 12786

[17] -  مستدرك الوسائل - الميرزا النوري ج 11 ص 220 ح12797

[18]  - الاعتقادات- الشيخ المفيد  ص 49 :

[19]  - عيون الحكم والمواعظ- علي بن محمد الليثي الواسطي  ص 120

[20]  - عيون الحكم والمواعظ- علي بن محمد الليثي الواسطي  ص 120

[21] -  مستدرك الوسائل - الميرزا النوري ج 11 ص 220 ح12798 .

[22]  -  وسائل الشيعة (آل البيت ) - الحر العاملي ج 15  ص 214- 215 

[23]  الكافي 2 : 54 / 8 -  وسائل الشيعة (آل البيت ) - الحر العاملي ج 15 ص 215 ح