منبر الجمعة

1422

 

1424

 

1423

لتحميل الأحاديث  اضغط هنا

 

1425

 

لتحميل الأحاديث أضغط هنا

 

 

 

 

 

  

 

أسباب الفقر

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

تفضيل الفقر على الغنى      ذم الفقر      كل من الفقر والغنى نعمة     أسباب الفقر

 

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) ([1])

بما أن الله سبحانه غني مطلق من جميع الجهات وصفاته عين ذاته فهذه الصفة عين ذاته بل هو سبحانه عين الغنى . وفي مقابل الغنى المطلق ، الفقر المطلق الذي يتصف به الإنسان بل هو عين الفقر . 

فإن الفقر : هو الحاجة إلى الغير وبما أن الإنسان لا حول له ولا قوة إلا بالله فيكون أفقر الفقراء إلى الله مهما كان عنده من القوة والجبروت والأموال ووسائل الحرب مصارعة الطبيعة ، وحينئذ هل أن الفقر مذموم أو ممدوح .

إن الروايات التي وردت في الشريعة الإسلامية حول هذا الموضوع منها ما هو مادح . ومنها ما هو قادح . وهل يمكن الجمع بينهما أو لابد من طرح أحدهما.

القسم الأول

     الروايات المادحة للفقر والفقراء وهي روايات كثيرة وفيها الصحيح وغيره وإليك قسما منها :

1-  في الصحيح عن أبي عبد الله (جعفر بن محمد الصادق عليه السلام ) قال : إذا كان يوم القيامة قام عنق من الناس حتى يأتوا باب الجنة فيضربوا باب الجنة ، فيقال لهم : من أنتم ؟ فيقولون نحن الفقراء ، فيقال لهم : أقبل الحساب ؟ فيقولون : ما أعطيتمونا شيئا تحاسبونا عليه ، فيقول الله عز وجل : صدقوا ادخلوا الجنة . [2]

2- وفي الصحيح عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : الفقر أزين للمؤمن من العذار على خد الفرس ([3]،[4] ) .

3- وفي الصحيح ، عن إسحاق بن عمار والمفضل بن عمر قالا : قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) مياسير شيعتنا أمناؤنا على محاويجهم ، فاحفظونا فيهم يحفظكم الله .

3- وعن ابن أبي يعفور ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : إن فقراء المسلمين ([5]) يتقلبون في رياض الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا ([6]) ثم قال : سأضرب لك مثل ذلك إنما مثل ذلك مثل سفينتين مر بهما على عاشر ([7]) فنظر في إحداهما فلم ير فيها شيئا ، فقال : أسربوها ([8]) ونظر في ا [ لا ] خرى فإذا هي موقورة ([9]) فقال : احبسوها . [10]

4- وعن سعدان قال : قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : المصائب منح من الله ([11]) والفقر مخزون عند الله .[12]

5- وعن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : يا علي إن الله جعل الفقر أمانة عند خلقه ، فمن ستره أعطاه الله مثل أجر الصائم القائم ومن أفشاه إلى من يقدر على قضاء حاجته فلم يفعل فقد قتله ، أما إنه ما قتله بسيف ولا رمح ولكنه قتله بما نكى ([13]) من قلبه .[14]

6 - وعن مفضل قال : قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : كلما ازداد العبد إيمانا ازداد ضيقا في معيشته . [15]

6 - وعنه قال : قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : لولا إلحاح المؤمنين على الله في طلب الرزق لنقلهم من الحال التي هم فيها إلى حال أضيق منها .[16]

7 - عنه ، عن بعض أصحابه ، رفعه ، قال : قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) ما أعطي عبد من الدنيا إلا اعتبارا وما زوي عنه إلا اختبارا . [17]

8 -  وعن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : ليس لمصاص شيعتنا ([18]) في دولة الباطل إلا القوت ، شرقوا إن شئتم أو غربوا لن ترزقوا إلا القوت . [19]

9-  وعن إدريس بن عبد الله ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : قال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : يا علي الحاجة أمانة الله عند خلقه ، فمن كتمها على نفسه أعطاه الله ثواب من صلى و من كشفها إلى من يقدر أن يفرج عنه ولم يفعل فقد قتله ، أما إنه لم يقتله بسيف ولا سنان ولا سهم ولكن قتله بما نكى من قلبه .[20]

 10 - وعن سعدان قال : قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : إن الله عز وجل يلتفت يوم القيامة إلى فقراء المؤمنين ، شبيها بالمعتذر إليهم فيقول : وعزتي وجلالي ما أفقرتكم في الدنيا من هوان بكم علي ولترون ما أصنع بكم اليوم فمن زود أحدا منكم في دار الدنيا معروفا فخذوا بيده فأدخلوه الجنة ، قال : فيقول رجل منهم : يا رب إن أهل الدنيا تنافسوا في دنياهم فنكحوا النساء ولبسوا الثياب اللينة وأكلوا الطعام وسكنوا الدور وركبوا المشهور من الدواب ([21]) فأعطني مثل ما أعطيتهم ، فيقول تبارك وتعالى : لك ولكل عبد منكم مثل ما أعطيت أهل الدنيا منذ كانت الدنيا إلى أن انقضت الدنيا سبعون ضعفا .[22]

11 - وعن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : ما كان من ولد آدم مؤمن إلا فقيرا ولا كافر إلا غنيا حتى جاء إبراهيم ( عليه السلام ) فقال : " ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ([23]) " فصير الله في هؤلاء أموالا وحاجة وفي هؤلاء أموالا وحاجة .[24]

 12 - وعن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : جاء رجل موسر إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) نقي الثوب ، فجلس إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ([25]) فجاء رجل معسر درن الثوب فجلس إلى جنب الموسر ، فقبض الموسر ثيابه من تحت فخذيه ، فقال له رسوله الله ( صلى الله عليه وآله ) : أخفت  أن يمسك من فقره شيء ؟ قال : لا ، قال : فخفت أن يصيبه من غناك شيء ؟ قال : لا ، قال : فخفت أن يوسخ ثيابك ؟ قال : لا ، قال : فما حملك على ما صنعت ؟ فقال : يا رسول الله إن لي قرينا يزين لي كل قبيح ويقبح لي كل حسن ([26]) وقد جعلت له نصف مالي ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : للمعسر أتقبل ؟ قال : لا ، فقال له الرجل : ولم ؟ قال : أخاف أن يدخلني ما دخلك .[27]

تفضيل الفقر على الغنى

13- وعن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : في مناجات موسى ( عليه السلام ) : يا موسى إذا رأيت الفقر مقبلا فقل : مرحبا بشعار الصالحين ، وإذا رأيت الغنى مقبلا فقل : ذنب عجلت عقوبته ([28]) .

18 -  وعن مبارك غلام شعيب قال : سمعت أبا الحسن موسى ( عليه السلام ) يقول : إن الله عز وجل يقول : إني لم اغن الغني لكرامة به علي ولم أفقر الفقير لهوان به علي وهو مما ابتليت به الأغنياء بالفقراء ولولا الفقراء لم يستوجب الأغنياء الجنة .

14 -وعن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : قال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : طوبى للمساكين بالصبر وهم الذين يرون ملكوت السماوات والأرض .[29]

 14 - وعن النبي ( صلى الله عليه وآله ) : يا معشر المساكين طيبوا نفسا وأعطوا الله الرضا من قلوبكم يثبكم الله عز وجل على فقركم ، فإن لم تفعلوا فلا ثواب لكم .[30]

15-وعن محمد بن مسلم ، عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال : إذا كان يوم القيامة أمر الله تبارك وتعالى مناديا ينادي بين يديه([31])أين الفقراء ؟ فيقوم عنق من الناس كثير ، فيقول : عبادي ! فيقولون : لبيك ربنا ، فيقول : إني لم أفقركم لهوان بكم علي ولكني إنما اخترتكم ([32]) لمثل هذا اليوم تصفحوا وجوه الناس فمن صنع إليكم معروفا لم يصنعه إلا فيّ فكافوه عني بالجنة .[33]

 16 - وعن مفضل قال : قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : لولا إلحاح هذه الشيعة على الله في طلب الرزق لنقلهم من الحال التي هم فيها إلى ما هو أضيق منها .[34]

 17 -  وعن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : قال لي : أما تدخل السوق ؟ أما ترى الفاكهة تباع ؟ والشيء مما تشتهيه ؟ فقلت : بلى ، فقال : أما إن لك بكل ما تراه فلا تقدر على شرائه حسنة .[35]

القسم الثاني

الروايات الذامة : وهي ليست قليلة أيضاً . وإليك بعضها : 

 

ذم الفقر

1- عن الإمام علي عليه السلام : الفقر الموت الأكبر .[36]

2- وعنه عليه السلام : الفقر يخرس الفطن عن حجته ، والمقلّ غريب في بلدته .[37]

3- وعنه عليه السلام : الفقر في الوطن غربة .[38]

  وفي الصحيح : عن ذريح المحاربي ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : الفقر الموت الأحمر ، فقيل الفقر من الدنانير والدراهم ؟ قال : لا ، ولكن من الدين .[39]

4- وعن هشام بن سالم ، عن الصادق عليه السلام قال : كاد الفقر أن يكون كفرا وكاد الحسد أن يغلب القدر .[40]

قال المجلسي: توضيح : هذه الرواية من المشهورات بين الخاصة والعامة ، وفيها ذم عظيم للفقر ، ويعارضها الأخبار السابقة وما روي عن النبي صلى الله عليه وآله : " الفقر فخري وبه أفتخر "

 وقوله صلى الله عليه وآله : " أللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين "

ويؤيد هذه الرواية ما رواه العامة عنه صلى الله عليه وآله : " الفقر سواد الوجه في الدارين "

 وقد قيل في الجمع بينها وجوه .

 قال الراغب في المفردات : الفقر يستعمل على أربعة أوجه :

 الأول : وجود الحاجة الضرورية ، وذلك عام للإنسان ما دام في دار الدنيا بل عام للموجودات كلها ، وعلى هذا قوله عز وجل : " يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد " ([41]) وإلى هذا الفقر أشار بقوله في وصف الإنسان : " ما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام " .[42]

 والثاني :  عدم المقتنيات وهو المذكور في قوله : " للفقراء الذين احصروا في سبيل الله - إلى قوله : يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف " ([43]) " إنما الصدقات للفقراء والمساكين " .[44]

 الثالث : فقر النفس وهو الشره المعني بقوله صلى الله عليه وآله : كاد الفقر أن يكون كفرا وهو المقابل بقوله : الغنا غنى النفس ، والمعنى بقولهم : من عدم القناعة لم يفده المال غنى .

الرابع : الفقر إلى الله المشار إليه بقوله : اللهم أغنني بالافتقار إليك ، ولا تفقرني بالاستغناء عنك ، وإياه عنى تعالى بقوله : " رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير " ([45]) وبهذا ألم الشاعر

 فقال : ويعجبني فقري إليك ولم يكن * ليعجبني لولا محبتك الفقر

 ويقال : افتقر فهو مفتقر وفقير ، ولا يكاد يقال فقر وإن كان القياس يقتضيه وأصل الفقير هو المكسور الفقار . انتهى .[46]

 

قال المجلسي معلقا على هذا الجمع :

وهذا أحسن ما قيل في هذا المقام ، ومنهم من حمل سواد الوجه على المدح أي إنه كالخال الذي على وجه المحبوب فانه يزينه ولا يشينه ، وقيل : المراد بالوجه ذات الممكن ، ومن الفقر احتياجه في وجوده وسائر كمالاته إلى الغير ، وكون ذلك الاحتياج بسواد وجهه عبارة عن لزومه لذاته ، بحيث لا ينفك كما لا ينفك السواد عن محله ، ولا يخفى بعدهما ، والأظهر حمله مع صحته على الفقر المذموم كما مر . وقال الغزالي في شرح هذا الخبر : إذ الفقر مع الاضطرار إلى ما لابد منه قارب أن يوقع في الكفر ، لأنه يحمل على حسد الأغنياء ، والحسد يأكل الحسنات وعلى التذلل لهم بما يدنس به عرضه ، وينثلم به دينه ، وعلى عدم الرضا بالقضاء وتسخط الرزق ، وذلك إن لم يكن كفرا فهو جار إليه ، ولذلك استعاذ المصطفى من الفقر . وقال بعضهم : لان أجمع عندي أربعين ألف دينار حتى أموت عنها أحب إلي من فقر يوم وذل في سؤال الناس ، و والله ما أدري ماذا يقع مني لو ابتليت ببلية من فقر أو مرض ، فلعلي أكفر ولا أشعر ، فلذلك قال : كاد الفقر أن يكون كفرا لأنه يحمل المرء على كل صعب وذلول . وربما يؤديه إلى الاعتراض على الله والتصرف في ملكه ، والفقر نعمة من الله داع إلى الإنابة والالتجاء إليه ، والطلب منه ، وهو حلية الأنبياء وزينة الأولياء ، وزي الصلحاء - ومن ثم ورد خبر : إذا رأيت الفقر مقبلا فقل مرحبا بشعار الصالحين ، فهو نعمة جليلة بيد أنه مولم شديد التحمل .

 قال الغزالي : هذا الحديث ثناء على المال ، ولا تقف على وجه الجمع بين المدح والذم إلا بأن تعرف حكمة المال ، ومقصوده وفوائده وغوائله حتى ينكشف لك أنه خير من وجه ، وشر من وجه ، وليس بخير محض ، ولا بشر محض بل هو سبب للأمرين معا : يمدح مرة ويذم مرة ، والبصير المميز يدرك أن الممدوح منه غير المذموم .

 وقال بعض أصحابنا : في الدعاء : نعوذ بك من الفقر والقلة ، قيل : الفقر المستعاذ منه إنما هو فقر النفس الذي يفضي بصاحبه إلى كفران نعم الله ونسيان ذكره ، ويدعوه إلى سد الخلة بما يتدنس به عرضه ويثلم به دينه ، والقلة تحمل على قلة الصبر أو قلة العدد .

وفي الخبر أنه صلى الله عليه وآله تعوذ من الفقر ، وقال : الفقر فخري وبه أفتخر على سائر الأنبياء ، وقد جمع بين القولين بأن الفقر الذي تعوذ منه صلى الله عليه وآله الفقر إلى الناس ، والذي دون الكفاف ، والذي افتخر به الفقر إلى الله تعالى وإنما كان هذا فخرا له على سائر الأنبياء مع مشاركتهم له فيه ، لان توحيده واتصاله بالحضرة الإلهية ، وانقطاعه إليه : كان في الدرجة التي لم يكن لأحد مثلها في العلو ففقره إليه كان أتم وأكمل من فقر سائر الأنبياء .

 وقال الكرماني في شرح البخاري في قوله صلى الله عليه وآله : أعوذ بك من الفقر : استدل به على تفضيل الغنى ، وبقوله تعالى : " إن ترك خيرا " أي مالا وبأنه صلى الله عليه وآله توفي على أكمل حالاته ، وهو موسر بما أفاء الله عليه وبأن الغنى وصف للحق وحديث : أكثر أهل الجنة الفقراء ، إخبار عن الواقع كما يقال : أكثر أهل الدنيا الفقراء ، وأما تركه الطيبات ، فلأنه لم يرض أن يستعجل من الطيبات .

 وأجاب الآخرون بأنه إيماء إلى أن علة الدخول الفقر ، وتركه الطيبات يدل على فضل الفقر ، واستعاذته من الفقر معارض باستعاذته من الغنى ، ولا نزاع في كون المال خيرا بل من الأفضل ، وكان عند وفاته صلى الله عليه وآله درعه مرهونا ، وغنى الله تعالى بمعنى آخر انتهى.

 وذهب أكثرهم إلى أن الكفاف أفضل من الغنى والفقر فانه سالم من آفاتهما وليس ببعيد وقال بعضهم : هذا كله صحيح لكن لا يدفع أصل السؤال في أيهما أفضل الغنى أو الفقر ؟ لان النزاع إنما ورد في حق من اتصف بأحد الوصفين أيهما في حقه أفضل وقيل : إن السؤال أيهما أفضل لا يستقيم لاحتمال أن يكون لاحدهما من العمل الصالح ما ليس للآخر ، فيكون أفضل ، وإنما يقع السؤال عنهما إذا استويا بحيث يكون لكل منهما من العمل ما يقاوم به عمل الآخر ، فتعلم أيهما أفضل عند الله ، ولذا قيل صورة الاختلاف في فقير ليس بحريص ، وغنى ليس بممسك إذ لا يخفى أن الفقير القانع أفضل من الغني البخيل وأن الغني المنفق أفضل من الفقير الحريص قال وكل ما يراد لغيره ولا يراد لعينه ينبغي أن يضاف إلى مقصوده فيه ، ليظهر فضله فالمال ليس محذورا لعينه ، بل لكونه قد يعوق عن الله ، وكذا العكس فكم من غني لم يشغله غناه عن الله ، وكم من فقير شغله فقره عن الله .

- إلى أن قال - : وإن أخذت بالأكثر فالفقير عن الخطر أبعد لان فتنة الغنى أشد من فتنة الفقر ، وقال بعضهم : كلام الناس في أصل المسألة يختلف ، فمنهم من فضل الفقر ، ومنهم من فضل الغنى ، ومنهم من فضل الكفاف ، وكل ذلك خارج عن محل الخلاف أي الحالين أفضل عند الله للعبد حتى يتكسب ذلك ويتخلق به ، هل التقلل من المال أفضل ليتفرغ قلبه عن الشواغل ، وينال لذة المناجاة ولا ينهمك في الاكتساب ليستريح من طول الحساب ؟ أو التشاغل باكتساب المال أفضل ليستكثر من القرب من البر والصلة لما في ذلك من النفع المتعدي . قال : وإذا كان الأمر كذلك فالأفضل ما اختاره النبي صلى الله عليه وآله وجمهور أصحابه من التقلل في الدنيا والبعد عن زهرتها ويبقى النظر فيمن حصل له شيء من الدنيا بغير تكسب منه كالميراث وسهم الغنيمة هل الأفضل أن يبادر إلى إخراجه في وجوه البر حتى لا يبقى منه شيء أو يتشاغل بتثميره ليستكثر من نفعه المتعدي . قال : وهو على القسمين الأولين ، وقال ابن حجر : مقتضى ذلك أن يبذل إلى أن يبقى في حالة الكفاف ، ولا يضر ما يتجدد من ذلك إذا سلك هذه الطريقة . ودعوى أن جمهور الصحابة كانوا على التقلل والزهد ممنوعة ، فان المشهور من أحوالهم أنهم كانوا على قسمين بعد أن فتحت عليهم الفتوح فمنهم من أبقى ما بيده مع التقرب إلى ربه بالبر والصلة والمواساة مع الاتصاف بغنى النفس ، ومنهم من استمر على ما كان عليه قبل ذلك ، وكان لا يبقى شيئا مما فتح عليه ، وهم قليل ، والأخبار في ذلك متعارضة ، ومن المواضع التي وقع فيها التردد من لا شيء له ، فالأولى في حقه أن يستكسب للصون عن ذل السؤال ، أو يترك وينتظر ما يفتح عليه بغير مسألة انتهى .

كل من الفقر والغنى نعمة

قال العلامة المجلسي : مقتضى الجمع بين أخبارنا أن الفقر والغنى كل منهما نعمة من نعم الله تعالى يعطي كلا منهما من شاء من عباده بحسب ما يعلم من مصالحه الكاملة وعلى العبد أن يصبر على الفقر بل يشكره ويشكر الغنى إن أعطاه ، ويعمل بمقتضاه فمع عمل كل منهما بما تقتضيه حاله ، فالغالب أن الفقير الصابر أكثر ثوابا من الغني الشاكر ، لكن مراتب أحوالهما مختلفة غاية الاختلاف ، ولا يمكن الحكم الكلي من أحد الطرفين ، والظاهر أن الكفاف أسلم وأقل خطرا من الجانبين ولذا ورد في أكثر الأدعية طلبه وسأله النبي صلى الله عليه وآله لاله وعترته .[47]

عن الفضيل بن يسار ، عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال : إن العبد ليذنب الذنب فيزوي ( 2 ) عنه الرزق .[48]

أسباب الفقر

يوجد هناك أسباب عديدة للفقر بعضها فردية وبعضها اجتماعية وبعضها مادية وبعضها معنوية .

السبب الأول : الزنا

قد وردت الروايات الكثيرة على أن من أهم أسباب الفقر الفردي والاجتماعي هو الزنا  وإليك قسماً منها :

وفي الصحيح عن الفضيل ، عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال : قال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : في الزنا خمس خصال : يذهب بماء الوجه ، ويورث الفقر ، وينقص العمر ، ويسخط الرحمن ويخلد في النار ، نعوذ بالله من النار . [49]

وعن علي بن سالم قال : قال أبو إبراهيم ( عليه السلام ) : اتق الزنا فانه يمحق الرزق ويبطل الدين .[50]

 وعن عبد الله بن ميمون القداح ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : للزاني ست خصال ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة أما التي في الدنيا فيذهب بنور الوجه ، ويورث الفقر ، ويعجل الفناء ، وأما التي في الآخرة فسخط الرب وسوء الحساب ، والخلود في النار . ورواه الصدوق بإسناده عن عبد الله بن ميمون . ورواه في ( الخصال ) وفى ( عقاب الأعمال ) عن محمد بن على ماجيلويه ، عن عمه محمد بن على ، عن ابن فضال ، عن عبد الله بن ميمون . ورواه البرقى في ( المحاسن ) عن محمد بن علي مثله .[51]

وعن الصادق ، عن آبائه ( عليهم السلام ) - في وصية النبي ( صلى الله عليه وآله ) لعلي ( عليه السلام ) - قال يا علي في الزنا ست خصال ثلاث منها في الدنيا ، وثلاث منها في الآخرة ، فأما التي في الدنيا فيذهب بالبهاء ، ويعجل الفناء ، ويقطع الرزق ، وأما التي في الآخرة فسوء الحساب وسخط الرحمن ، والخلود في النار .[52]

 قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : " الزنا يورث الفقر ، ويدع الديار بلاقع [53] " .[54]

عن الفضيل بن يسار ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : إن العبد ليذنب الذنب فيزوى عنه الرزق .[55]

 بيان : " فيزوى عنه الرزق " أي يقبض أو يصرف وينحى عنه ، أي قد يكون تقتير الرزق بسبب الذنب عقوبة أو لتكفير ذنبه ، وليس هذا كليا بل هو بالنسبة إلى غير المستدرجين فان كثيرا من أصحاب الكبائر يوسع عليهم الرزق وفي النهاية زويت الأرض أي جمعت ، وفي حديث الدعاء : وما زويت عني مما أحب أي صرفته عني وقبضته . [56]

عن الصادق عن آبائه عليهم السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : أربع لا تدخل بيتا " واحده منهن إلا خرب ولم يعمر بالبركة : الخيانة ، والسرقة ، وشرب الخمر ، والزنا . [57]

وعن أبي عبد الله عليه السلام قال : الذنوب التي تحبس الرزق الزنا .[58]

وروى عمرو بن أبي المقدام ، عن أبيه عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال : " كان فيما أوحى الله تعالى إلى موسى بن عمران ( عليه السلام ) : يا موسى بن عمران من زنى زني به ولو في العقب من بعده ، يا موسى بن عمران عف تعف اهلك ، يا موسى بن عمران إن أردت أن يكثر خير أهل بيتك فإياك والزنا ، يا موسى بن عمران : كما تدين تدان " .[59]

 


 


[1]  فاطر : 15

[2]  الكافي - الشيخ الكليني ج 2 ص 264 .

[3] في النهاية لابن الأثير : ومن حديث علي ( عليه السلام ) : " للفقر أزين للمؤمن من عذار حسن على خد فرس " العذاران من الفرس كالعارضين من وجه الانسان ثم سمي السير الذي يكون عليه من اللجام عذارا باسم موضعه . ج 3 ص180 .

[4]  الكافي ج 2 265 .

[5]  في بعض النسخ [ فقراء المؤمنين ] .

[6]  الخريف : الزمان المعروف من السنة مابين الصيف والشتاء ويريد به أربعين سنة لان الخريف لا يكون في السنة إلا مرة واحدة فإذا انقضى أربعون خريفا فقد مضت أربعون سنة كذا في النهاية وفي معاني الأخبار بإسناده عن أبى جعفر ( عليه السلام ) قال : إن عبدا مكث في النار سبعين خريفا والخريف سبعون سنة إلى آخر الخبر وفسره صاحب المعالم بأكثر من ذلك . وفى مصباح المنير الخريف : الفصل الذي تخترف فيه الثمار . أي تقطع فيها الثمار .

[7] العاشر : من يأخذ العشر .

[8]  " أسربوها " يعنى خلوها تذهب ، بمعنى التوجه للأمر والذهاب إليه .

[9]  أي مملوة وفى بعض النسخ [ موقرة ] فهي بمعناها والتشبيه في غاية الحسن .

[10]  الكافي - الشيخ الكليني ج 2 ص 260 :

[11]  المنح بكسر الميم وفتح النون جمع منحة بالكسر وهى العطية .

[12]  الكافي - الشيخ الكليني ج 2 ص 260 .

[13]  من النكاية . أي كسر قلبه .

[14]  الكافي - الشيخ الكليني ج 2 ص 260 .  

[15]  الكافي - الشيخ الكليني ج 2 ص 261 .   

[16]  الكافي - الشيخ الكليني ج 2 ص 261 .

[17]  الكافي - الشيخ الكليني ج 2 ص 261 .

[18]  المصاص : خالص كل شنئ .

[19]  الكافي ج 2 ص 261 .

[20]  الكافي ج 2 ص 261 .

[21]  أي التي اشتهرت بالنفاسة . والمشهور : المعروف المكان والنبيه .

[22]  الكافي - الشيخ الكليني ج 2  ص 262 .

[23] وهذا من تتمة قول إبراهيم ( عليه السلام ) حيث قال الله في سورة الممتحنة : " قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لاستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ربنا عليك توكلنا واليك أنبنا واليك المصير ، ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا انك أنت العزيز الحكيم " معناه : لا تعذبنا بأيديهم ولا ببلاء من عندك فيقولوا لو كان هؤلاء على الحق لما أصابهم هذا البلاء . والمعنى المستفاد من الخبر قريب من هذا لان الفقر أيضا بلاء يصير سببا لافتتان الكفار إما بان ينفروا من الإسلام خوفا من الفقر أو قالوا : لو كان هؤلاء على الحق لما ابتلوا بعموم الفقر فيهم .     

[24]  الكافي - الشيخ الكليني ج 2 ص 262 .

[25]  قال الشيخ البهائي قدس سره " إلى " بمعنى مع كما قال بعض المفسرين في قوله تعالى " من أنصاري إلى الله " أو بمعنى عند كما في قول الشاعر : " أشهى إلى من الرحيق السلسل " ويجوز أن يضمن جلس معنى توجه أو نحوه . و " درن الثوب " بفتح الدال وكسر الراء صفة مشبهة من الدرن بفتحهما وهو الوسخ ( مرآة العقول ) .

[26]  أي أن لي شيطانا يغويني ويجعل القبيح حسنا في نظري والحسن قبيحا وهذا الصادر منى من جملة إغوائه . ويمكن أن يراد به النفس الأمارة التي طغت وبغت بالمال ( مرآة العقول ) .

[27]  الكافي - الشيخ الكليني ج 2 ص 262 .

[28]  الشعار بالكسر ما يلي الجلد من الثياب لأنه يلي شعره ويستعار للصفات المختصة . و " مرحبا " أي لقيت رحبا وسعة . وقيل : معناه رحب الله بك مرحبا . والقول كناية عن غاية الرضا والتسليم وقوله : " ذنب عجلت " أي أذنبت ذنبا صار سببا لان أخرجني الله من أوليائه .

 [29] الكافي ج 2 ص 263 .

[30]  الكافي ج 2 ص 263 .

[31]  أي قدام عرشه .

[32]  أي اصطفيتكم . " لمثل هذا اليوم " أي لهذا اليوم ، فكلمة مثل زائدة وقوله : " تصفحوا وجوه الناس " أي تأملوا وجوههم .   

[33]  الكافي - الشيخ الكليني ج 2 ص 263 - 264 .

[34]  الكافي - الشيخ الكليني ج 2 ص 264 .    

[35]  الكافي - الشيخ الكليني ج 2 ص 264 .

[36]  نهج البلاغة حكمة رقم : 163 .

[37]  نهج البلاغة حكمة : 3 .

[38]  نهج البلاغة حكمة : 56 .

[39]  بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 69  ص 40 :

[40]  بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 69  ص 29 و أمالي الصدوق : 177 .

[41]  فاطر : 15 .

[42]  الأنبياء : 8 .

[43]   البقرة : 273 .

[44]  براءة : 60 .

[45]  القصص : 24 .

[46]   معجم مفردات ألفاظ القرآن للراغب الإصفهاني ص 429 .

[47]   بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 69 ص 29- 34 .

[48]   الكافي - الشيخ الكليني ج 2 ص 270 .

[49]  وسائل الشيعة (آل البيت ) - الحر العاملي ج 20 ص 309 .

[50] وسائل الشيعة (آل البيت ) - الحر العاملي ج 20 ص 309 .     

[51]  وسائل الشيعة (آل البيت ) - الحر العاملي ج 20 ص 309 .

[52] وسائل الشيعة (آل البيت ) - الحر العاملي ج 20  ص 311 .

[53] جمع بلقعة وهي الأرض القفر التي لا نبات لها ولا شيء بها ، أي يصير الزنا سببا لفنائهم حتى لا يبقى منهم أحد .

[54] من لا يحضره الفقيه - الشيخ الصدوق ج 4 ص 20 .

[55] الكافي ج 2 ص 270 ،  بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 70  ص 318.

[56] بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 70  ص 318 .

[57]  بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 76 ص 19 .

[58]  بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 76 ص 23 .

[59]  من لا يحضره الفقيه - الشيخ الصدوق ج 4 ص 21 .