بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الأولى

التغيير الذاتي

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطهرين وآصحابه المنتجبين .

قال تعالى : ( إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ ) (11) سورة الرعد  

لابد للإنسان من أن يفكر لماذا جاء في هذه الحياة ؟ وما هو الهدف للمولى سبحانه بمجيء هذا المخلوق العجيب في أطواره ؟ وما الذي يستفيده الإنسان من دار الدنيا ؟ وما هذه الابتلاءات والامتحانات والمكاره التي تحل على الإنسان في هذه الدنيا ؟ هذه الأسئلة وغيرها ينبغي بل يلزم للإنسان أن يفكر فيها

في الجواب عن هذه الأسئلة ولو مختصرا قال تعالى :{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (56) سورة الذاريات  ، فالعباداة بمفهومها الواسع هدف أساسي للمولى سبحانه في خلقة الإنسان ومجيئه في هذه الدنيا .

 

الامتحان الصعب

الإنسان في هذه الدنيا لابد له من الإمتحان والإبتلاء والإختبار كما قال أمير المؤمنين عليه السلام ( دار بالبلاء محفوفة وبالغدر معروفة )

طبعت على كدر وأنت تريدها      صفواً من الأقذاء والأكدار

والامتحان قد يكون على قسمين :

1-في المصائب والويلات .    2- الامتحان بالنعم المسدلة على العبد .

فالقسم الأول :

قال تعالى : ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ) (155) سورة البقرة

وهذا القسم لا يمكن ان يفلت منه شريف ولا وضيع ولا فقير ولا غني ولا نبي ولا وصي نبي ومهما كان الهدف للباري عز وجل في هذا الامتحان هل هو التصفية والتطهير أم كان هو الانتقام من العبد فإن الامتحان والابتلاء لابد منه وهو على أنواع :

1-أن يكون ذلك الامتحان والابتلاء تصفية للعبد وتطهيراً له من الذنوب والنقائص وتقريبه للمولى سبحانه وتعالى .

2-أن يكون ذلك الابتلاء والامتحان إعلاء لدرجات العبد فيسمو العبد بذلك الابتلاء إلى أعلى درجات الكمال وهذا كما في الأنبياء والأولياء عليهم السلام .

3-أن يكون الابتلاء نوعاً من الانتقام وتعجيل العقوبة فإن كثيراً من الذنوب لها تسبب كثيراً من العقوبات والابتلاءات كما جاء في دعاء كميل : ( اللهم اغفر لي الذنوب التي تنزل النقم ....، اللهم اغفر الذنوب التي تحبس الدعاء ، اللهم اغفر لي الذنوب التي تنزل البلاء  .. )

القسم الثاني :

الامتحان بالنعم فكما أن الامتحان والابتلاء بالمصائب والحوادث الكونية والحروب كذلك يكون الامتحان بالاسداء بالنعم ونعم الله على العبد لا تعد ولا تحصى قال تعالى : ( وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا )

فهذه النعم المتكاثرة والمتعددة التي لا يتمكن العبد على إحصائها وعدها فهذه موارد امتحان وابتلاء له فإن شكر العبدُ المولى سبحانه وتعالى على نعمه فقد فاز ونجح في امتحانه وإن كفر بالنعمة وجحدها فإنه سوف يتعرض إلى فقدان تلك النعمة وعذاب الله الشديد قال تعالى حول النعمة : ( لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ) .

فأصبحت النعمة سبباً من أسباب الامتحان والابتلاء وقد جاء في دعاء كميل أيضا : (  اللهم اغفر لي الذنوب التي تُغير النعم ) .

فالصحة نعمة يجب على الإنسان أن يشكر المولى عليها فإذا كفر بها واستعملها في غير موضعها تعرض لسخط المولى وإن شكر تضاعفت.

والمال نعمة يجب على الإنسان أن يأخذه من محله ويضعه في موضعه ويستعمل الموازين الشرعية في كسبه وإنفاقه وإلا أصبح وبالاً عليه .

 والجمال نعمة للمرأة يجب أن تشكر الله عليها وتوضف هذه النعمة فيما أعطاها الله إياها أن توضفه لزوجها وتمتعه به فإذا أساءت استخدام هذه النعمة فقد تتعض لسخط الله ويسلب الله منها هذه النعمة بأبسط الأشياء .

والحكم والتولي على الآخرين نعمة : يجب على الحاكم أن يرحم من تحت يديه من مخلوقات الله وأن يعدل ويحسن إلى من يسيطر عليه ويعفو عنهم عند المقدرة قال تعالى : ( إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ ) وإذا أساء الحاكم فقد كفر بتلك النعمة وقد تسلب منه تلك النعمة ويعذبه الله في الدنيا قبل الآخرة .

 والزوج نعمة على الزوجة ، والزوجة نعمة على الزوج : يجب على كل منهما أن يشكر تلك النعمة ويؤدي حقها لله  وأن يحسن التصرف مع الطرف الآخر وأن يؤدي الزوج حق زوجته ويعفو ويتنازل عن بعض حقوقه ، كما أن الزوجة يلزمها أن تؤدي حق الزوج وتحاول أن تعفو وتتنازل عن بعض حقوقها . وإلا فقد تسلب تلك النعمة من إحداهما أو من كليهما .

والجاه نعمة : يلزم الإنسان أن يشكر الله عليه فإذا لم يضعه في مواضعه وأساء استخدامه فإنه سوف يتعرض لسخط الله سبحانه وتعالى .

تحمل المسؤولية

ونحن إذ نعيش هذا العيد السعيد يلزمنا أن نفكر ونلتفت إلى إخواننا المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الذين لا يتمكنوا أن يشاركوا الأمة الإسلامية في فرحة العيد وهم يعيشون الامتحان الصعب سواء كان وضعهم الاقتصادي حيث لا يتمكن الكثير منهم أن يسد رمق حياته مع عياله ويعيشون الفقر المدقع والحرمان والذل .

تحسس آلام الأمة

يجب على المسلمين أن يتحسسوا آلام وآمال الأمة الإسلامية وأن يتذكروا أن لهم إخوة في مختلف بلاد المسلمين وبالأخص في فلسطين الحبيبة السليبة وهم على الخطوط الأمامية في الدفاع عن الإسلام والمسلمين وعن مقدساتهم وهم يعيشون المجازر اليومية بأيد العدو الأول للإسلام والمسلمين الولايات المتحدة الأمريكية وربيبتها الصهيونية المتمثلة الآن في إسرائيل التي احتلت القدس الشريف وبقية فلسطين .

العيد والفلسطينون :

 إننا نناشد الأمة الإسلامية أن لا تنسى إخوتها في فلسطين فإن كانوا هم يقدمون التبريكات والتهاني بعضهم للآخر فإن إخوتهم في فلسطين يقدمون تبريكاتهم وتهانيهم و هي أرواحهم يقدمونها في سبيل الإسلام والدفاع عن أعراضهم وأرضهم .

أيها المسلمون في كل مكان قدموا لأهلكم وإخوانكم في فلسطين كل ما تقدرون عليه من دعم مادي ومعنوي وإعلامي للفلسطينيين وليكن شعوركم أنه لا عيد حقيقي إلا بتحرير المسجد الأقصى وكل شبر من أرض المسلمين من براثن الصهاينة المعتدين وأذنابهم ومؤيديهم الغاشمين .

إن الألم يعصر قلوبنا لما تمر به الأمة الإسلامية من أوضاع مخزية وتكالب الشرق والغرب عليها ، والمسلمون في غفلة وسبات تامين وبدل أن كانت هي القائدة أصبحت الآن مقودة وبدل أن كانت قاهرة أصبحت مقهورة وبدل أن كانت متبوعة أصبحت الآن تابعة .

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين

 

 

الخطبة الثانية

بسم الله الرحمن الرحيم

الجهاد الأكبر

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين وأصحابه المنتجبين

من النعم التي أنعم الله بها على الإنسان المسلم أن وفقه لأداء فريضة من فرائض الإسلام ألا وهي صيام شهر رمضان المبارك أن العبد إذا تمكن من أداء هذه الفريضة فهذا توفيق من الله سبحانه وتعالى لذلك العبد بل ومن محبة الله إليه ( فإن الشقي من حرم من غفران الله في هذا الشهر العظيم ) وإذا حرم غفران الله فإنه سوف يحرم تلك البركات والخيرات فيه .

العيد

بعد أداء هذه الفريضة على الوجه المطلوب فيحق له أن يفرح ويكون له عيد فإن العيد لمن أمن الوعيد ودخل في ضمن من نالهم كرم المولى عند تقييم الجوائز وتقسيمها التي أعدها للصائمين القائمين القارئين للقرآن الذين قبلت عباداتهم في هذا الشهر المبارك وأما من لم يكن كذلك فلم يصم أو لم تقبل عباداته أو لم يلتزم بشيء منها فلا يحق له أن يعيد وأن يفرح بل لو كشف له الغطاء عما أعد له من العذاب لصار يبكي على حاله بدل الدموع دما ولو بقي طول حياته في بكاء وألم وحزن لما كان به ملوماً .

صلاة العيد

إن صلاة العيد في يوم العيد التي تعطي مظهراً من مظاهر عظمة المولى سبحانه في الاجتماع الرهيب والدعاء فيها ( اللهم أهل الكبرياء والعظمة وأهل الجود والجبروت وأهل العفو والرحمة وأهل التقوى والمغفرة ) فالله هو أهل الكبرياء والعظمة وليس لغيره تلك الكبريائية وتلك العظمة كما أنه الجواد الذي لا يبخل وهو صاحب الأسماء الحسنى من العفو والرحمة والمغفرة .

الجهاد الأكبر

المولى سبحانه وتعالى يعطي خلاصة هذا الشهر العظيم والهدف من صيامه هو تحقيق الجهاد الأكبر ( وهو جهاد النفس ) أي مجاهدتها وتطهيرها من كل دنس ورجس وقد أكد هذا المفهوم في صلاة العيد حيث ندب قراءة سورة الأعلى في الركعة الأولى بقوله فيها ( قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) فالفلاح والنجاح والسعادة التي يطلبها كل فرد هي موجودة في التزكسة التي هي التطهير من جميع القذارات المعنوية كالحسد والغيبة والنميمة والشرك بالله بل كل المعاصي فإن من يرتدع عن المعاصي فهو من المجاهدين لنفسه .

وكذلك السورة في الركعة الثانية يقرأ سورة الضحى عند قوله ( قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ) وقد تقدم هذه الجملة سبعة أمور قد أقسم المولى بها مما يؤكد أهمية هذا المفهوم الذي هو خلاصة فريضة الصيام بل هدف الرسالات والنبوات التي بعث بها الأنبياء والمرسلون .

فالمولى سبحانه في هاتين السورتين يؤكد على أهمية التزكية وأنها الجهاد الأكبر وأن لا فائدة للإنسان في هذا الحياة بدون تحقيق التزكية وتطهير النفس .

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين وأصحابه المنتجبين