العيد مسؤولية كبرى  

1  / 10 / 1426 هـ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين .

قال تعالى : { فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى{9}سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى {10} وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى {11} الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى {12} ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى {13} الأعلى

الآيات تتحدث عن القيام بالمسؤولية فكانت تخاطب الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن عرضت في بداية السورة بعض ملامح التوحيد لله سبحانه بالأمر بالتسبيح باسم الله والحديث عن عظمة الله الدال على توحيده وأنه لا يمكن لأحد غيره أن يخلق ويرزق ويقدر ويميت ويحيي .

وبعد أن أمر المولى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقرأ الوحي على الأمة وأن يبلغ ما أنزله الله في القرآن وحتى لا ينسى فهذه هي الذكرى التي أمر أن يذكر بها إن نفعت

فهذه الآيات تفريع على ما تقدم من مسئوليات على النبي صلى الله عليه وآله أن يوصلها إلى الأمة وأوعده الله أنه سيقرئه الوحي فلا ينساه وتيسيره الأمور له وهذه من أهم أسباب نجاح الدعوة .

والذكرى : اشترط فيها أن تكون نافعة ، وهذا شرط طبيعي لأن الذكرى إذا لم تكون نافعة فهي لغو والله سبحانه منزه عن اللغو ، فنفعها لمن يخشى الله واضح لأن التذكرة بعد التذكرة تفيد المنفعة وتؤثر فيه وهو الذي يستجيب لها ، وأما الشقي فإن التذكرة بعد التذكرة ففي المرة الأولى تكون حجة عليه وأنه قد وصلت إليه الحجة وأما في المرات اللاحقة فقد أمر بالإعراض عنه لأنه سوف يتولى عن الحق ويعرض عنه كما قال تعالى فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا {29} النجم . ولا يوجد فائدة في تذكيره .

وبعبارة أخرى : الذي يخشى الله سوف يستفيد من الموعظة والتوجيه ومما يسمعه من الوحي ويكون واعياً وينظر بنور العقل لا بالهوى والشهوة والرغبات النفسية .

وأما الأشقى : الذي لا خشية في قلبه فإنه سوف يتباعد عن الموعظة والتذكرة ولم يرد إلا الحياة الدنيا وما يرتبط بها من أمور زائلة وأوهام خيالية وعبرت عنه الآيات الذي يصلى النار الكبرى وهي جهنم فهي كبرى نسبة إلى نار الدنيا ولا تناسب وهو لا يموت فيها ولا يحيى كناية عن كونه سوف يبقى على حاله فيها لا يخرج منها لا بموت ولا غيره 

من المسئوليات :

المسئوليات كثيرة ولا يمكن حصرها في هذه العجالة منها :

1-    الهلال والوحدة الإسلامية :

يوجد هنا مسألتان :

أ- ثبوت الهلال أو عدم ثبوته كمسألة شرعية يرجع فيها كل إلى مذهبه ومبناه من اجتهاد أو تقليد وأن ثبوته في بلد يكفي لبقية البلدان أم أن كل بلد لا بد أن يرى فيها ؟ . وهذه وإن كانت مبرئة للذمة أمام الله سبحانه من ناحية فقهية إلا أننا غير معذورين أمام المسلمين عموماً وإحساسهم بالوحدة الإسلامية في عيدهم وصومهم ، بل وأمام الناس الذين ينظرون لمظهر الإسلام والمسلمين وحسن السمعة وما يعكس على الأمة من قوة وتماسك .

ب – مسألة الهلال كعنوان للوحدة بين الأمة الإسلامية : بالأخص هلال شهر شوال للعيد وهلال شهر ذي الحجة للحج ، المنظور في العيد أن يوحد الأمة وأن يكون عيداً لجميع المسلمين وكما ورد في الأدعية المخصوصة بصلاة العيد عندما يسأل الداعي ويقول ( وبحق هذا اليوم الذي جعلته للمسلمين عيداً ) فمن اللازم أن يكون العيد لجميع المسلمين وأن يوحدهم ، وهذا لا بد أن يكون العيد شاملا للجميع وعيدهم واحد بثبوت الهلال وكون الهلال يقتنع به الجميع لا بد  أن توضع له آليات لتوحيد رؤية الهلال حتى يكون الصوم موحداً والإفطار موحداً وهذه مسئولية ذوي الشأن في مختلف البلاد الإسلامية  .

2-    العيد والمسئولية :

ليس العيد مجرد لبس الثياب الجديدة وعمل أفراح الزينة واللعب واللهو والتي ربما يصل بعضها إلى حد المنافيات الشرعية .

العيد خروج من عبادة هي من أفضل العبادات وطاعة من أفضل الطاعات ألا وهي الصيام ويترقب الصائم أن يحضى بجائزة المولى سبحانه على هذه العبادة فإن حضي بها فيستحق أن يقال له دخل في عيد وإلا فلا .

العيد مسئولية اجتماعية ، ترابطٌ بين المجتمع ، إدخال السرور عليهم في مختلف جوانب الحياة من السلام والتزاور والتكاتف والتعاون وقضاء حوائج المؤمنين ومواساتهم في آمالهم وآلامهم ، وهذه وصية أئمتنا عليهم السلام فينا فعَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ لَمَّا احْتُضِرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام جَمَعَ بَنِيهِ حَسَناً وَ حُسَيْناً وَ ابْنَ الْحَنَفِيَّةِ وَ الْأَصَاغِرَ مِنْ وُلْدِهِ فَوَصَّاهُمْ وَ كَانَ فِي آخِرِ وَصِيَّتِهِ يَا بَنِيَّ عَاشِرُوا النَّاسَ عِشْرَةً إِنْ غِبْتُمْ حَنُّوا إِلَيْكُمْ وَ إِنْ فُقِدْتُمْ بَكَوْا عَلَيْكُمْ

 يَا بُنَيَّ إِنَّ الْقُلُوبَ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ تَتَلَاحَظُ بِالْمَوَدَّةِ وَ تَتَنَاجَى بِهَا ، وَ كَذَلِكَ هِيَ فِي الْبُغْضِ فَإِذَا أَحْبَبْتُمُ الرَّجُلَ مِنْ غَيْرِ خَيْرٍ سَبَقَ مِنْهُ إِلَيْكُمْ فَارْجُوهُ وَ إِذَا أَبْغَضْتُمُ الرَّجُلَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ سَبَقَ مِنْهُ إِلَيْكُمْ فَاحْذَرُوهُ [1]

يمر علينا العيد وإخواننا الفلسطينيون في خط المواجهة مع إسرائيل وهم يتساقطون بين شهيد وجريح في الدفاع عن بلادهم ومقدساتهم .

يمر علينا العيد وتصادف الذكرى السنوية لاحتلال اسرائيل لفلسطين الجريحة وإنشاء دولة إسرائيل الذي جاء بها الاستكبار العالمي ووضعها في وسط بلاد المسلمين.

يمر علينا العيد وأخوتنا في العراق تهدم عليهم المساجد ودور العبادة ويتساقطون بالعشرات بين شهيد وجريح على أيدي من يدعي الإسلام .

يمر علينا العيد والاستكبار العالمي يسوم المسلمين سوم العذاب ويقودهم كالنعاج .

3-    العيد ويوم اليتيم

المسلمون يعيدون ويبتهجون ويرفلون في ملابسهم وزينتهم وبين آبائهم وأمهاتهم وشريحة من المجتمع يفقدون أعز الناس عليهم وهم آباؤهم

إن على المجتمع الصالح أن يشعر هؤلاء أنهم أبناؤه يحن عليهم كما يحن على أولاده ويواسيهم بالكلمة الطيبة والعطف والحنان كما يواسيهم في الجانب الاقتصادي ويسد جوعتهم وحاجياتهم ويعولهم ويتكفل بهم كما قال الإمام علي عليه السلام في وصيته لأولاده وللمسلمين عموماً :

( اللَّهَ اللَّهَ فِي الْأَيْتَامِ فَلَا تُغِبُّوا أَفْوَاهَهُمْ وَ لَا يَضِيعُوا بِحَضْرَتِكُمْ فَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله  يَقُولُ : ( مَنْ عَالَ يَتِيماً حَتَّى يَسْتَغْنِيَ أَوْجَبَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُ بِذَلِكَ الْجَنَّةَ كَمَا أَوْجَبَ لآِكِلِ مَالِ الْيَتِيمِ النَّارَ ) .

وقال تعالى : { أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ {1} فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ {2} وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ {3} الماعون

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

 

الخطبة الثانية

قال تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى {14} وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى {15} الأعلى

في هاتين الآيتين تحدث الله سبحانه وتعالى عن التزكية وهي التطهير والتنمية ، وبما أن شهر رمضان شهر الطهر والخير والبركة فإن كان الإنسان قد استفاد من هذا الشهر وطهر نفسه وزكاها فقد أفلح ونجح وتحققت أمنياته وهنيئاً له على هذا التوفيق .

وقد ورد في بعض الروايات عن أهل بيت العصمة أن هاتين الآيتين تتحدثان عن زكاة الفطرة وصلاة العيد وهذا لا يتنافى مع ما تقدم لأنه من باب تعيين بعض المصاديق للآية .

دعاء الإمام زين العابدين عليه السلام لعيد الفطر :

(52) اللَّهُمَّ إِنَّا نَتُوبُ إِلَيْكَ فِي يَوْمِ فِطْرِنَا الَّذِي جَعَلْتَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ عِيداً وَ سُرُوراً، وَ لِأَهْلِ مِلَّتِكَ مَجْمَعاً وَ مُحْتَشَداً مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ أَذْنَبْنَاهُ، أَوْ سُوءٍ أَسْلَفْنَاهُ، أَوْ خَاطِرِ شَرٍّ أَضْمَرْنَاهُ، تَوْبَةَ مَنْ‏ لَا يَنْطَوِي عَلَى رُجُوعٍ إِلَى ذَنْبٍ، وَ لَا يَعُودُ بَعْدَهَا فِي خَطِيئَةٍ، تَوْبَةً نَصُوحاً خَلَصَتْ مِنَ الشَّكِّ وَ الِارْتِيَابِ، فَتَقَبَّلْهَا مِنَّا، وَ ارْضَ عَنَّا، وَ ثَبِّتْنَا عَلَيْهَا.

(53) اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا خَوْفَ عِقَابِ الْوَعِيدِ، وَ شَوْقَ ثَوَابِ الْمَوْعُودِ حَتَّى نَجِدَ لَذَّةَ مَا نَدْعُوكَ بِهِ، وَ كَأْبَةَ مَا نَسْتَجِيرُكَ مِنْهُ.

(54) وَ اجْعَلْنَا عِنْدَكَ مِنَ التَّوَّابِينَ الَّذِينَ أَوْجَبْتَ لَهُمْ مَحَبَّتَكَ، وَ قَبِلْتَ مِنْهُمْ مُرَاجَعَةَ طَاعَتِكَ، يَا أَعْدَلَ الْعَادِلِينَ.

 (55) اللَّهُمَّ تَجَاوَزْ عَنْ آبَائِنَا وَ أُمَّهَاتِنَا وَ أَهْلِ دِينِنَا جَمِيعاً مَنْ سَلَفَ مِنْهُمْ وَ مَنْ غَبَرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

 (56) اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ نَبِيِّنَا وَ آلِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى مَلَائِكَتِكَ الْمُقَرَّبِينَ، وَ صَلِّ عَلَيْهِ وَ آلِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى أَنْبِيَائِكَ الْمُرْسَلِينَ، وَ صَلِّ عَلَيْهِ وَ آلِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ، وَ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، صَلَاةً تَبْلُغُنَا بَرَكَتُهَا، وَ يَنَالُنَا نَفْعُهَا، وَ يُسْتَجَابُ لَهَا دُعَاؤُنَا، إِنَّكَ أَكْرَمُ مَنْ رُغِبَ إِلَيْهِ، وَ أَكْفَى مَنْ تُوُكِّلَ عَلَيْهِ، وَ أَعْطَى مَنْ سُئِلَ مِنْ فَضْلِهِ، وَ أَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ.[2]

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

  


 

[1] بحارالأنوار ج : 42 ص : 248

[2] الصحيفةالسجادية(ع) ص : 204