منهج التعريف بأهل البيت (1)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين .

جاء في الحديث الصحيح عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ( الصادق ) عليه السلام يَقُولُ :

( رَحِمَ اللَّهُ عَبْداً حَبَّبَنَا إِلَى النَّاسِ وَلَمْ يُبَغِّضْنَا إِلَيْهِمْ .

 أَمَا وَاللَّهِ لَوْ يَرْوُونَ مَحَاسِنَ كَلَامِنَا لَكَانُوا بِهِ أَعَزَّ وَمَا اسْتَطَاعَ أَحَدٌ أَنْ يَتَعَلَّقَ عَلَيْهِمْ بِشَيْ‏ءٍ وَلَكِنْ أَحَدُهُمْ يَسْمَعُ الْكَلِمَةَ فَيَحُطُّ إِلَيْهَا عَشْراً ) [1]

ويؤيد هذا الحديث ما روي عن أبي جعفر الباقر عليه السلام ، أنه قال :

( رحم الله عبدا من شيعتنا حببنا إلى الناس ولم يبغضنا إليهم .

 أما والله لو يروون ما نقول ، ولا يحرفونه ، ولا يبدلونه علينا برأيهم ما استطاع أن يتعلق عليهم بشيء ، ولكن أحدهم يسمع منا الكلمة فينيط عشرا ويتناولها برأيه ....... ) [2].

الكلام يقع في محورين :

المحور الأول : في الآليات الناجحة والفعالة للتعريف بأهل البيت عليهم السلام وإعطاء صورة واضحة عن حياتهم وسيرتهم وما يحملونه من رؤى وأفكار وأخلاق وما قدموه للأمة من خدمات جليلة وعظيمة طيلة حياتهم .

في المقدمة لا بد من التنبيه على بعض الأمور :

1- مما يلفت النظر في بداية الحديث هو الدعاء من الإمام عليه السلام لمن يقوم بهذا الواجب .

2- أن الأئمة عليهم السلام لم يعيشوا لأنفسهم وإنما هو لله وللدين ، فمحبتهم والحديث عنهم إنما هو حديث عن الإسلام ، لذلك قدموا كل ما يملكونه بما فيه دماءهم لأجل الإسلام  .

3- ما هو حجم المسئولية ؟

4- الأئمة عليهم السلام هم أئمة لعموم المسلمين والإمام الصادق عليه السلام إمام المسلمين وقد أشارت إلى ذلك جملة من الروايات .

5- ولايتهم ولاية الله وعداوتهم عداوة لله وقد نص على ذلك عدد من الأحاديث .

6- مسئولية التعريف بأهل البيت عليهم السلام على من تقع ؟ لا شك على أن طبقة العلماء هي في مقدمة من يتحمل المسئولية وهذا لا يعفي الآخرين منها كما يشير إلى ذلك كل من هذين الحديثين .

مواصفات المبلغ

ومن منطلق تحمل المسئولية لا بد من توفر مواصفات معينة في العالم الذي يريد أن يقوم بهذا الواجب وهي :

1) العلم بما يريد أن يبلغه ويعرف به وأن يكون قائما على بحثه وتتبعه ، وأن لا يكون قائماً على الجهل والتعصب أو التقليد الأعمى أو مسايرا للعوام والجهلة .

2) الحلم

3) التواضع واللين بل وحسن الأخلاق عموما .

4) الموضوعية .

5) العدل والإنصاف والتقوى .

6) الإيمان بما يريد أن يبلغه .

7) الخبرة بعقائد الطرف الآخر وتاريخه ومذهبه ومشاعره وشعائره ومقدساته . 

8) بعد النظر والحس السياسي .

9-  حسن الإدارة وسعة الصدر

قال تعالى{ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْت َ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} 159/ آل عمران . إن هذه الآية تجمع أهم صفات المبلغ والداعية إلى الله ودينه القويم .

النبي يحمل نفسه المسئولية في الدعوة

نقل السيد الإمام الخميني عن أستاذه الشاه آبادي :

قال شيخنا العارف الكامل الشاه آبادي إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما دعا الناس إلى رسالته ولم يجد الإصغاء المطلوب والدخول في دين الله حسب المستوى المرغوب فيه ، أبدى احتمالا في نفسه وهو النقص في دعوته – الداعي – فانصرف إلى ترويض نفسه طيلة عشرة أعوام حتى ورمت قدماه ، فنزلت هذه الآية المباركة مخاطبة إياه {مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} 2/ طـه .

 إنك طاهر وهادٍ ، ولا يوجد عيب ونقص فيك ، بل النقيصة في الناس  {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ } 56/ القصص

ويتابع الإمام بقوله :

وعلى أي حال يستفاد من هذه الآية المباركة ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان في ترويض وتعب وجهاد . ويستفاد من مجموع أحاديث المفسرين هذا المعنى أيضاً ، رغم اختلافهم في كيفية الترويض والتعب .

ويجب أن تكون هذه الآية المباركة قدوة للناس جميعاً وخاصة للعلماء الذين يريدون القيام بالدعوة إلى الله تعالى ، حيث أن رسول الله مع طهارة قلبه وكماله التجأ إلى الترويض وأتعب نفسه حتى نزلت الآية الشريفة من الحق المتعالي .

ونحن رغم ثقل الخطايا والذنوب لم نفكر البتة في معادنا ومآلنا وكأننا نحمل صك الخلاص والبراءة من جهنم والأمان من العذاب . وهذا لا يكون إلا نتيجة أن حب الدنيا قد أصم آذاننا فلا نسمع كلمات الأولياء والأنبياء [3]

10- إشعار الطرف الآخر بالمحبة والمودة وأن هذا العمل لله وليس لمقصد مادي أو مذهبي .

11- مخاطبة الطرف الآخر بأمور لا ينكرها عقائديا ومذهبيا وعقلياً .

12- الحكمة في الحديث .

عَنْ سَعْدِ بْنِ طَرِيفٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ : ( صَانِعِ الْمُنَافِقَ بِلِسَانِكَ وَ أَخْلِصْ وُدَّكَ لِلْمُؤْمِنِ وَ إِنْ جَالَسَكَ يَهُودِيٌّ فَأَحْسِنْ مُجَالَسَتَهُ ) [4]

أدواة التعريف بأهل البيت

لعبت الدعاية والإرهاب الفكري والعسكري في العصر الحديث أدواراً كبيرة في مختلف جوانب الحياة العقائدية والأخلاقية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية فسلخت مجتمعات كثيرة عن عقائدها وفكرها وأخلاقها وأسقطت دول وأقامت غيرها وأفقرت جماعة أخرى واستعبدت آخرين .

إننا لسنا بحاجة إلى أساليب الاستعمار والكفر العالمي من الدعاية الكاذبة والإرهاب الفكري والعسكري فيما نصبو إليه من الدعوة إلى الله وتعريف مذهب أهل البيت عليهم السلام إلى من يجهلهم ، ففي الأساليب والأدوات التي طرحتها أئمتنا لنا كفاية .

الأئمة عليهم السلام عرضوا لنا أساليب التعريف بمذهبهم وهي في الواقع قواعد أساسية ثابتة ، وإن اختلف الزمان أو المكان وفي ما يلي أذكر بعض ما يسمح به المقام ويوجد هنا قاعدتان :

القاعدة الأولى : تحبيب الأئمة :

 تحبيب الأئمة من أهل البيت عليهم السلام لدى مخالفيهم وإبرازهم بالصورة التي تتناسب مع مقامهم كأئمة لعموم المسلمين ولعل هذا هو السر في تأكيد الآيات والروايات على ولايتهم ومحبتهم وذكر فضائلهم والبراءة من أعدائهم ؛ فإن ولايتهم ولاية لله ولرسوله وعداوتهم عداوة لله ولرسوله .

وعدم طرح الأمور التي تؤدي إلى عداوة أئمة أهل البيت عليهم السلام وتشويه سمعتهم ولو في نظر الآخرين .

ما طرحه الإمام الباقر والصادق عليهما السلام في الصحيحة والرواية من تحبيبهم إلى من يجهلهم أو يخالفهم وإبرازهم بالصفة السامية لهو من أبدع وأنجع الأساليب في إقناع الطرف المخالف وتبديد الصور الكاذبة العالقة في ذهنه جراء الدعاية المغرضة الكاذبة أو التربية الخاطئة .

أساليب التحبيب

أما ما هي أساليب التحبيب وكيف يتم ذلك؟

فهي وإن كانت تختلف من زمان إلى زمان ومن مكان إلى آخر بل ومن شخص إلى آخر ومن وسيلة إلى أخرى إلا أن ما عرضه الأئمة عليهم السلام في كلامهم لشيعتهم وبالأخص في الروايات الصحيحة حول هذا الجانب فهو واف كاف :

1- الإقتداء بالأئمة عليهم السلام في هذا الجانب .

الأئمة هم القدوة

يجب على الشيعة أن يتعاملوا مع مخالفيهم بنفس الطريقة التي كان الأئمة عليهم السلام يتعاملون بها مع مخالفيهم حتى وإن اختلف الزمان أو المكان أو وسائل التعامل وبما أنهم عليهم السلام كانوا يتعاملون مع مخالفيهم بالأخلاق الحسنة وما يدعوهم إلى الوحدة بين المسلمين ورص صفوفهم وتقريبهم إلى الإسلام بل والكثير تأثر بأخلاق أهل البيت حتى أصبح من المحبين لهم فعلى الشيعة أن يتعاملوا بنفس الأخلاقية  ففي  الحديث الصحيح  عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ وَهْبٍ قَالَ : قُلْتُ لَهُ كَيْفَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَصْنَعَ فِيمَا بَيْنَنَا وَ بَيْنَ قَوْمِنَا وَ بَيْنَ خُلَطَائِنَا مِنَ النَّاسِ مِمَّنْ لَيْسُوا عَلَى أَمْرِنَا ؟

 فَقَالَ : ( تَنْظُرُونَ إِلَى أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تَقْتَدُونَ بِهِمْ فَتَصْنَعُونَ مَا يَصْنَعُونَ فَوَ اللَّهِ إِنَّهُمْ لَيَعُودُونَ مَرْضَاهُمْ وَ يَشْهَدُونَ جَنَائِزَهُمْ وَ يُقِيمُونَ الشَّهَادَةَ لَهُمْ وَ عَلَيْهِمْ وَ يُؤَدُّونَ الْأَمَانَةَ إِلَيْهِمْ )[5]

2- الإحسان إلى المسيء .

3- عدم المكاشفة .

والتعامل على الظاهر وعدم كشف الأمور المخفية في القلوب والنوايا  ففي الحديث الصحيح عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا (ع) فِي حَدِيثٍ قَالَ : ( لَا تَمَلَّ مِنَ الدُّعَاءِ فَإِنَّهُ مِنَ اللَّهِ بِمَكَانٍ وَ عَلَيْكَ بِالصَّبْرِ وَ طَلَبِ الْحَلَالِ وَ صِلَةِ الرَّحِمِ وَ إِيَّاكَ وَ مُكَاشَفَةَ النَّاسِ فَإِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ نَصِلُ مَنْ قَطَعَنَا وَ نُحْسِنُ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْنَا فَنَرَى وَ اللَّهِ فِي ذَلِكَ الْعَاقِبَةَ الْحَسَنَةَ ) [6]

4- الانفتاح على الآخرين .

والدعاء للمخالفين بالهداية .

سعة قلب النبي مع الناس

قال السيد ابن طاووس : و كنت في ليلة جليلة من شهر رمضان بعد تصنيف هذا الكتاب – يعني كتاب الإقبال -  بزمان و أنا أدعو في السحر لمن يحب [ يجب خ ل ] و يحسن تقديم الدعاء له و لي و لمن يليق بالتوفيق أن أدعو له فورد على خاطري :

 أن الجاحدين لله جل جلاله و لنعمه و المستخفين بحرمته و المبدلين لحكمته في عباده و خليفته ينبغي أن يبدأ لهم بالدعاء بالهداية من ضلالتهم فإن جنايتهم على الربوبية و الحكمة الإلهية و الجلالة النبوية أشد من جناية العارفين بالله و بالرسول (ص) فيقتضي تعظيم الله و تعظيم جلاله و تعظيم رسوله (ص) و حقوق هدايته بمقاله و فعاله أن يقدم الدعاء بهداية من هو أعظم ضررا و أشد خطرا حيث نعذر [ لم يقدر خ ل ] أن يزال ذلك بالجهاد و منعهم من الإلحاد و الفساد .

 أقول فدعوت لكل ضال عن الله بالهداية إليه و لكل ضال عن الرسول بالرجوع إليه و لكل ضال عن الحق بالاعتراف به و الاعتماد عليه .

ثم دعوت لأهل التوفيق و التحقيق بالثبوت على توفيقهم و الزيادة في تحقيقهم و دعوت لنفسي و من يعنيني أمره بحسب ما رجوته من الترتيب الذي يكون أقرب إلى من أتضرع إليه و إلى مراد رسوله صلى الله عليه وآله و قد قدمت مهمات الحاجات بحسب ما رجوت أن يكون أقرب إلى الإجابات .

أ فلا ترى ما تضمنه مقدس القرآن من شفاعة إبراهيم (ع) في أهل الكفران فقال الله جل جلاله : { يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ } فمدحه جل جلاله على حلمه و شفاعته و مجادلته في قوم [ لقوم ] لوط الذين قد بلغ كفرهم إلى تعجيل نقمته

أ ما رأيت ما تضمنه أخبار صاحب الرسالة و هو قدوة أهل الجلالة كيف كان ، كلما آذاه قومه الكفار و بالغوا فيما يفعلون قال صلى الله عليه وآله : ( اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) .

أما رأيت الحديث عن عيسى (ع) كن كالشمس تطلع على البر والفاجر .

 و قول نبينا (ص) اصنع الخير إلى أهله و إلى غير أهله فإن لم يكن أهله فكن أنت أهله .

و قد تضمن ترجيح مقام المحسنين إلى المسيئين قوله جل جلاله { لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَ لَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَ تُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } و يكفي أن محمدا (ص) بعث رحمة للعالمين [7]

5- الالتزام بالدين .

إن تدين الأتباع له مدخلية كبرى في إعطاء الصورة الحسنة للمتبوع في نظر الآخرين الذين لا يعرفونه سواء كان الإسلام أو أهل البيت عليهم السلام أم غيرهما من المذاهب والأديان فإن الأتباع هم الذين يحكون الحالة لمن يتبعونه لذلك وقد ورد عن الصادق عليه السلام ، أنه قال للمفضل :

( أي مفضل قل لشيعتنا كونوا دعاة إلينا بالكف عن محارم الله ، واجتناب معاصيه وإتباع رضوانه ، فإنهم إذا كانوا كذلك كان الناس إلينا مسارعين ) [8].

وهذه الرواية صريحة أن حسن السلوك من شيعة أهل البيت والتزامهم بالدين من أهم أسباب الدعوة إلى أهل البيت عليهم السلام وأن التزامهم سوف يدعو الآخرين إلى الدخول في مذهب أهل البيت عليهم السلام بل ويكونون إلى ذلك مسارعين .

6- استعمال الحكمة .

في الدعوة إلى أهل البيت عليهم السلام والتي هي دعوة إلى الله عز وجل فيقال ما ينبغي أن يقال وما تكلم به الأئمة عليهم السلام ، ويسكتوا عما سكت عنه الأئمة عليهم السلام وسوف يهتدون إلى الحق وإلى صراط مستقيم.

فقد جاء  عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ : ( لَيْسَ هَذَا الْأَمْرُ مَعْرِفَتَهُ وَوَلَايَتَهُ فَقَطْ حَتَّى تَسْتُرَهُ عَمَّنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ . وَ يُحْسِبُكُمْ أَنْ تَقُولُوا مَا قُلْنَا وَتَصْمُتُوا عَمَّا صَمَتْنَا فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ مَا نَقُولُ وَسَلَّمْتُمْ لَنَا فِيمَا سَكَتْنَا فَقَدْ آمَنْتُمْ بِمِثْلِ مَا آمَنَّا وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى :{ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا }

قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عليه السلام : حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ وَ لَا تُحَمِّلُوهُمْ مَا لَا يُطِيقُونَ فَتَغُرُّونَهُمْ بِنَا ) [9]

7- اجترار المودة لأهل البيت .

يجب على الشيعي المخلص لأهل البيت عليهم السلام أن يتحرى الطرق التي تحبب أهل البيت إلى مخالفيهم وأن يستعمل الوسائل والأعمال التي تؤدي بالمخالفين أن يودوا أهل البيت عليهم السلام فيجر مودة الناس إلى أهل البيت وذلك بأن يدخلهم ويقربهم إلى المفاهيم التي حملها علي بن أبي طالب وأولاده الطاهرون عليهم السلام .

فقد جاء عَنْ مُدْرِكِ بْنِ زُهَيْرٍ قَالَ : قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عليه السلام :

( يَا مُدْرِكُ ...... ، أَقْرِأْ أَصْحَابَنَا السَّلَامَ وَرَحْمَةَ اللَّهِ وَبَرَكَاتِهِ ، وَقُلْ لَهُمْ رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً اجْتَرَّ مَوَدَّةَ النَّاسِ إِلَيْنَا فَحَدَّثَهُمْ بِمَا يَعْرِفُونَ وَتَرْكَ مَا يُنْكِرُونَ )[10]

فمن أسباب اجترار المودة لأهل البيت عليهم السلام أن يحدث المخالفين لهم بما يعرفون كالأحاديث التي رواها في كتبهم وسلموا بها ولا ينبغي له أن يلزمهم بما رواه هو من طريقه وفي كتب الخاصة خصوصاً إذا كان بدرجة يصطدم مع معتقدات المخالفين أو يؤدي بهم إلى النفرة عن أهل البيت عليهم السلام والبعد عنهم أو العداء لهم ، والمساحات المشتركة كبيرة جداً وقد عرضها الأئمة عليهم السلام في أحاديثهم ، كأحاديث الوحدة والأخوة بين المسلمين وأداء الأمانة لهم وحضور جنائزهم ومواساتهم في نكباتهم .

8-النظر إلى الوحدة الإسلامية .

الأئمة عليهم السلام يهتمون بوحدة الكلمة بين مختلف أفراد المجتمع الإسلامي ويحرصون أن يكون أتباعهم في مقدمة الملتزمين بالدين ومن المتمسكين بأعلى مكارم الأخلاق وقد أرشدوا أتباعهم إلى اجترار مودة المخالفين للأئمة عليهم السلام ولشيعتهم  كما حذروا شيعتهم أن يقوموا بأعمال تؤدي إلى بغضهم  لدى المخالفين لهم وبما أن الكثير من المسلمين لا يتجرأ على إعلان عدائه لأهل البيت عليهم السلام وإن كان مخالفا لهم وإنما يعلن عدائه لأتباعهم لهذا أكد الأئمة عليهم السلام على أتباعهم أن يكونوا حذرين وأن يفوتوا الفرصة على كل من يريد أن يصطاد في الماء العكر  ويثير الفتن ويشعل نار الحرب الطائفية بين الطرفين سواء كان من السنة أو الشيعة وما موضوع التقية والتأكيد عليها وأنها من لب الدين ( وأن التقية ديني ودين آبائي وأن من لا تقية له لا دين له ) كما جاء على لسان الإمام الصادق عليه السلام إلا دليل على ما نقول .

فكل ذلك يثبت اهتمام الأئمة عليهم السلام بوحدة الكلمة ورص صفوف الأمة الإسلامية وأمر أصحابه وأتباعه بالمدارات وأن يجتروا مودة المخالفين لأهل البيت ولشيعتهم أيضاَ كما في الرواية الآتية عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: ( رحم الله عبدا اجتر مودة الناس إلينا وإلى نفسه )

9- من هو أخطر على مذهب أهل البيت ؟

السؤال الذي يطرح نفسه من هو أشد ضرراً وأكبر خطرا على أهل البيت عليهم السلام ؟

 من يعلن الحرب عليهم ويتجاهر بالعداء لهم ؟

أو من يتظاهر بالولاء والمشايعة لهم ثم يكشف أسرارهم وينطق بما يكرهون ؟ ويعمل على خلاف ما أمر به الأئمة عليهم السلام .

الجواب يوضحه الإمام الصادق عليه السلام في الرواية التالية التي يؤكد فيها على اجترار مودة المخالفين لهم ولشيعتهم ، وأن الناصب لهم حرباً ليس بأشد عليهم مؤونة من الموالي لهم الناطق بما يكرهون بل إن الأخير أشد خطراً وأكثر ضرراً عليهم لأنه :

1- محسوب عليهم .  2- ولأنه يتكلم عن لسانهم .  3- ولأنه يقول ويعمل على خلاف ما يريده أئمتهم سواء كان بالسب والشتم لمن خالفهم أو بالتكفير لهم .

 قال أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام لرجل قدم عليه من الكوفة فسأله عن شيعته ، فأخبره بحالهم .

 فقال أبو عبد الله عليه السلام : ( ليس اجتماع أمرنا بالتصديق والقبول فقط ، إن احتمال أمرنا ستره وصيانته عن غير أهله ، فأقرئهم السلام وقل لهم : رحم الله عبدا اجتر مودة الناس إلينا وإلى نفسه ، فحدثهم بما يعرفون وسترعنهم ما ينكرون ويجهلون .

 والله ، ما الناصب لنا حربا بأشد علينا مؤونة من الناطق علينا بما ذكر ، ولو كانوا يقولون عني ما أقول ما عبأت بقولهم ولكانوا أصحابي حقا ) [11]

 فهذه الرواية واضحة في الكشف عن حالة كانت موجودة في زمان الإمام الصادق عليه السلام من وجود عدد لا يستهان بهم كانوا محسوبين على الإمام وهم له مخالفون بل لا يمتثلون أوامره لذلك كان الإمام يتذمر منهم إلى أبعد حد .

10-  ما ينبغي للشيعة في مواجهة الناس .

 قال الإمام الصادق عليه السلام : ( يا معشر الشيعة إنكم قد نسبتم إلينا ، كونوا لنا زينا ، ولا تكونوا علينا شينا )[12]  

من أوضح النصوص التي وردت عن أهل البيت عليهم السلام على دعوة شيعتهم أن يكونوا زيناً لهم ومرآة صافية لأخلاق أهل البيت وأن لا يكونوا عليهم شيناً .

هذا النص الذي خاطب شيعته وأوضح الإمام عليه السلام فيه أنكم منسوبون إلينا بأي شكل من الأشكال فلا بد أن تكونوا بمستوى المسؤولية  وأن تنظروا إلى أئمتكم ما ذا يقولون فارووا عنهم محاسن كلامهم وأن تفعلوا مثل ما يفعلون .

مما يوجب المحبة وذلك ؟

11- التخلق بأخلاق أهل البيت عليهم السلام والعمل بها عند الخاص والعام .

12- التحبب إلى الناس ومعاملتهم بما يحب أن يعامله غيره به ففي الصحيح عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الباقر عليه السلام قَالَ : ( إِنَّ أَعْرَابِيّاً مِنْ بَنِي تَمِيمٍ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله فَقَالَ لَهُ أَوْصِنِي فَكَانَ مِمَّا أَوْصَاهُ تَحَبَّبْ إِلَى النَّاسِ يُحِبُّوكَ ) [13]

13- الإحسان إلى الآخرين حتى وإن كانوا من المخالفين له  ففي الصحيح عَنْ حَرِيزٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام : ( مَنْ خَالَطْتَ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ يَدُكَ الْعُلْيَا عَلَيْهِمْ فَافْعَلْ ) [14]

14- حفظ اللسان عن فضول الكلام فعن عبد الواحد بن المختار عن أبي جعفر عليه السلام قال : ( لو أن لألسنتكم أوكية لحدثت كل امرئ بما له ) [15]

15- تعلم علومهم بصورة صحيحة وتعليمها مخالفيهم حتى يتسنى لهم الإطلاع على علوم أهل البيت ويعرفوا ما عندهم .

16- التحرز في نقل روايات أهل البيت عليهم السلام وأن تكون بصورة صحيحة . وقد دل على ذلك عدد من الروايات .

17- غربلة تلك الأحاديث وتمييز الغث من السمين ويؤخذ بالذي عليه شاهد من القرآن ويترك ما خالفه . كما في كثير من الروايات .

18- كتم أسرار أهل البيت التي لا يناسب بثها وقد دلت على ذلك مجموعة كبيرة من الروايات .

19- التوقف عند الشبهات فيما ينسب إلى علومهم وأحاديثهم .

كما عن جابر قال دخلنا على أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام ونحن جماعة بعد ما قضينا نسكنا فودعناه و قلنا له أوصنا يا ابن رسول الله.

فقال : ( ليعن قويكم ضعيفكم و ليعطف غنيكم على فقيركم و لينصح الرجل أخاه النصيحة لنفسه و اكتموا أسرارنا .

 و لا تحملوا الناس على أعناقنا و انظروا أمرنا و ما جاءكم عنا فإن وجدتموه للقرآن موافقا فخذوا به و إن لم تجدوه موافقا فردوه وإن اشتبه الأمر عليكم فقفوا عنده و ردوه إلينا حتى نشرح لكم من ذلك ما شرح لنا و إذا كنتم كما أوصيناكم لم تعدوا إلى غيره فمات منكم قبل أن يخرج قائمنا كان شهيدا و من أدرك منكم قائمنا فقتل معه كان له أجر شهيدين و من قتل بين يديه عدوا لنا كان له أجر عشرين شهيدا ) [16]

وفي رواية الكليني مع اختلاف يسير قال : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ دَخَلْنَا عَلَيْهِ جَمَاعَةً فَقُلْنَا : يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ إِنَّا نُرِيدُ الْعِرَاقَ فَأَوْصِنَا .

 فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام : ( لِيُقَوِّ شَدِيدُكُمْ ضَعِيفَكُمْ وَ لْيَعُدْ غَنِيُّكُمْ عَلَى فَقِيرِكُمْ وَ لَا تَبُثُّوا سِرَّنَا وَ لَا تُذِيعُوا أَمْرَنَا وَ إِذَا جَاءَكُمْ عَنَّا حَدِيثٌ فَوَجَدْتُمْ عَلَيْهِ شَاهِداً أَوْ شَاهِدَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَخُذُوا بِهِ وَ إِلَّا فَقِفُوا عِنْدَهُ ثُمَّ رُدُّوهُ إِلَيْنَا حَتَّى يَسْتَبِينَ لَكُمْ وَ اعْلَمُوا أَنَّ الْمُنْتَظِرَ لِهَذَا الْأَمْرِ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ وَ مَنْ أَدْرَكَ قَائِمَنَا فَخَرَجَ مَعَهُ فَقَتَلَ عَدُوَّنَا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ عِشْرِينَ شَهِيداً وَ مَنْ قُتِلَ مَعَ قَائِمِنَا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسَةٍ وَ عِشْرِينَ شَهِيداً ) [17]

وَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ (ع) أَنَّهُ أَوْصَى رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ أَنْفَذَهُ إِلَى قَوْمٍ مِنْ شِيعَتِهِ فَقَالَ لَهُ : ( بَلِّغْ شِيعَتَنَا السَّلَامَ وَ أَوْصِهِمْ بِتَقْوَى اللَّهِ الْعَظِيمِ وَ بِأَنْ يَعُودَ غَنِيُّهُمْ عَلَى فَقِيرِهِمْ وَ يَعُودَ صَحِيحُهُمْ عَلِيلَهُمْ وَ يَحْضُرَ حَيُّهُمْ جَنَازَةَ مَيِّتِهِمْ وَ يَتَلَاقَوْا فِي بُيُوتِهِمْ فَإِنَّ لِقَاءَ بَعْضِهِمْ بَعْضاً حَيَاةٌ لِأَمْرِنَا رَحِمَ اللَّهُ امْرِأً أَحْيَا أَمْرَنَا وَ عَمِلَ بِأَحْسَنِهِ .

قُلْ لَهُمْ إِنَّا لَا نُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِلَّا بِعَمَلٍ صَالِحٍ وَ لَنْ تَنَالُوا وَلَايَتَنَا إِلَّا بِالْوَرَعِ وَ إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَمَنْ وَصَفَ عَمَلا ثُمَّ خَالَفَ إِلَى غَيْرِهِ )[18]

القاعدة الثانية : المداراة للمخالفين :

في الصحيح عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) : ( أَمَرَنِي رَبِّي بِمُدَارَاةِ النَّاسِ كَمَا أَمَرَنِي بِأَدَاءِ الْفَرَائِضِ )[19]

إن مفهوم المدارات أخذ حيزاً كبيراً في أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته الطاهرين في حث جميع الفئات والأطراف على استعمالها والتزامها وفي مقام ترجيح المدارات على المكاشفة جاء  عَنِ الإمام الْبَاقِرِ عليه السلام أنه : سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ خَبِيثٍ قَدْ لَقِيَ مِنْهُ جُهْداً هَلْ تَرَى مُكَاشَفَتَهُ أَمْ مُدَارَاتَهُ فَكَتَبَ إِلَيْهِ : ( الْمُدَارَاةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْمُكَاشَفَةِ وَ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً فَإِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ )[20]

إدخال السرور على الإمام الصادق

هل تريد إدخال السرور على الإمام الصادق عليه السلام ؟

وفي معرض الإجابة : لا بد من تلمس الجواب من كلام الإمام نفسه وهو الصادق المصدق ويوجد هنا طائفة من الروايات فيها الصحاح وغيرها تتحدث عما يدخل السرور على قلب الإمام الصادق عليه السلام .

الصحيحة الأولى:  صحيحة زيد الشحام التي صرحت بمفهوم إدخال السرور على الإمام عليه السلام ومما يتكون هذا المفهوم .

فقد جاء في الحديث الصحيح عَنْ أَبِي أُسَامَةَ زَيْدٍ الشَّحَّامِ قَالَ : قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ( يعني الإمام الصادق ) عليه السلام :

( اقْرَأْ عَلَى مَنْ تَرَى أَنَّهُ يُطِيعُنِي مِنْهُمْ وَيَأْخُذُ بِقَوْلِيَ : السَّلَامَ ، وَأُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَالْوَرَعِ فِي دِينِكُمْ ، وَالِاجْتِهَادِ لِلَّهِ ، وَصِدْقِ الْحَدِيثِ ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ ، وَطُولِ السُّجُودِ ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ ؛ فَبِهَذَا جَاءَ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وآله .

 أَدُّوا الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكُمْ عَلَيْهَا بَرّاً أَوْ فَاجِراً ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله كَانَ يَأْمُرُ بِأَدَاءِ الْخَيْطِ وَالْمِخْيَطِ .

 صِلُوا عَشَائِرَكُمْ ، وَاشْهَدُوا جَنَائِزَهُمْ ، وَعُودُوا مَرْضَاهُمْ ، وَأَدُّوا حُقُوقَهُمْ ؛ فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ إِذَا وَرِعَ فِي دِينِهِ ، وَصَدَقَ الْحَدِيثَ ، وَأَدَّى الْأَمَانَةَ ، وَحَسُنَ خُلُقُهُ مَعَ النَّاسِ ، قِيلَ هَذَا جَعْفَرِيٌّ ، فَيَسُرُّنِي ذَلِكَ وَيَدْخُلُ عَلَيَّ مِنْهُ السُّرُورُ ، وَقِيلَ هَذَا أَدَبُ جَعْفَرٍ .

وَإِذَا كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ دَخَلَ عَلَيَّ بَلَاؤُهُ ، وَعَارُهُ ، وَقِيلَ هَذَا أَدَبُ جَعْفَرٍ .

 فَوَاللَّهِ لَحَدَّثَنِي أَبِي عليه السلام : أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَكُونُ فِي الْقَبِيلَةِ مِنْ شِيعَةِ عَلِيٍّ عليه السلام فَيَكُونُ زَيْنَهَا آدَاهُمْ لِلْأَمَانَةِ ، وَأَقْضَاهُمْ لِلْحُقُوقِ ، وَأَصْدَقَهُمْ لِلْحَدِيثِ ، إِلَيْهِ وَصَايَاهُمْ ، وَوَدَائِعُهُمْ ، تُسْأَلُ الْعَشِيرَةُ عَنْهُ فَتَقُولُ : مَنْ مِثْلُ فُلَانٍ إِنَّهُ لآَدَانَا لِلْأَمَانَةِ وَ أَصْدَقُنَا لِلْحَدِيثِ )[21]

هذه الصحيحة تتحدث عن ثلاثة أمور مهمة بمجموعها تحقق إدخال السرور على قلب الإمام الصادق عليه السلام :

الأمر الأول : إطاعة الإمام والاستجابة له .

وهذا من الأمور الضرورية التي لا يمكن أن تقطف أي ثمرة من توجيهات الإمام ونصائحه إلا بإطاعته وامتثال أوامره ؛ ويمكن أن يقسم أصحابه إلى  قسمين :

القسم الأول :

المطيعين لأوامره والمنتهين بنواهيه ويحققون رغباته ، وإلى هؤلاء أشار لهم بالحديث وأنهم يدخلون السرور على قلبه. كما أنهم هم الموصفون بالإيمان في الحديث الصحيح الذي جاء  عَنِ ابْنِ رِئَابٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ : ( إِنَّا لَا نَعُدُّ الرَّجُلَ مُؤْمِناً حَتَّى يَكُونَ لِجَمِيعِ أَمْرِنَا مُتَّبِعاً مُرِيداً ) .

القسم الثاني :

 العاصين لأوامره و لا يسمعون كلامه وإنما ينتسبون إليه بمجرد الاسم وهؤلاء يجلبون إليه الحزن والألم ويجرون عليه عارهم – كما عبر عليه السلام – وهذان القسمان لا يفرق بينهم سواء كان الإمام على قيد الحياة أم بعد وفاته .

الأمر الثاني : مفهوم التشيع عند الإمام الصادق عليه السلام

ويمكن لنا أن نقسم هذه الأحاديث إلى قسمين :

الأول : الأحاديث التي تحدث بها الإمام عن مفهوم التشيع ويربطها بالمنهج السلوكي لشيعته مع مخالفيه وأن هذا السلوك هو جزء من مفهوم التشيع.

الثاني : الأحاديث التي تحدث بها الإمام عن التشيع في نفسه ولم يتحدث فيها عن المنهج السلوكي لشيعته مع مخالفيهم 

 أما القسم الأول : فهو يحتوي على أعداد كثيرة من الروايات الصحيحة وغيرها ، وفيها يتحدث الإمام عليه السلام عن تحقيق هذا المفهوم على الصعيد العملي ، وفي هذا المضمار يوصي شيعته ، بعدة أمور وعناصر بمجموعها تشكل هذا المفهوم وتحققه على المستوى الخارجي والسلوكي للأمة ، وقد تحدثنا عن مفهوم التشيع عند الإمام الباقر عليه السلام بشكل مفصل - عند الحديث عن منهجه في التعامل مع مخالفيه - والروايات عن الإمام الصادق عليه السلام حول هذا الموضوع متطابقة مع روايات أبيه مع الاختلافات في بعض التفصيلات وسوف نشير إلى بعضها .

 وفي ما يرجع إلى هذه الصحيحة أشارت إلى ما يلي :

1-       تقوى الله .

2-       الورع في الدين.

3-       الاجتهاد لله .

4-       صدق الحديث .

5-       أداء الأمانة للبر والفاجر .

6-       طول السجود .

7-       حسن الجوار .

الأمر الثالث : منهج الشيعة وسلوكهم مع مخالفيهم .

وفي هذا الجانب عرض الإمام عليه السلام عدة عناصر بمجموعها تشكل منهجاً واضحا في سلوك الشيعة مع مخالفيهم سواء كان في هذه الصحيحة أو بقية الصحاح والأخبار الأخرى ،  كما سوف نشير إلى ذلك .

من هذه العناصر التي أشار لها الإمام في هذه الصحيحة ما يلي :

1-       صلة عشائرهم .

2-       شهادة جنائزهم .

3-       عيادة مرضاهم .

4-       أداء حقوقهم بشكل عام .

5-       أداء أماناتهم .

6-       حسن أخلاق الشيعة معهم .

المفهوم الصحيح للتشيع والربط بين الأمرين الأخيرين :

ثم ربط الإمام عليه السلام في هذه الصحيحة بين بعض عناصر مفهوم التشيع القائم على الورع والتقوى والاجتهاد لله وبين المنهج الذي طرحه لشيعته مع مخالفيهم ولزوم العمل به وأنهما يشكلان معا المفهوم الصحيح للتشيع وذلك :

1-       إعطاء صورة حسنة للمنتسبين إلى جعفر بن محمد عليه السلام فيقال هذا جعفري .

2-       إعطاء صورة حسنة للإمام الصادق عليه السلام في نظر من لا يعرفه ومن يخالفه فقها وفكراً وأخلاقاً .

3- عدم تشويه سمعة أهل البيت .

إن المنتسبين إلى الإمام الصادق عليه السلام إذا لم يكونوا على مستوى المسئولية ولم يتصفوا بصفات الشيعة التي يريدها الإمام ولم ينهجوا النهج الذي رسمه لهم في سلوكهم مع مخالفيهم فسوف يجرون البلاء والعار على الإمام أمام مخالفيه ومن لا يعرفه ، وتلك التصرفات الخاطئة والمشينة من أصحابه والمنتسبين إليه  تنسب إلى الإمام عليه السلام ولو في نظر من لا يعرفه فيقال هذا ( أدب جعفر )  

كل ذلك بسبب بعض التصرفات من بعض الشيعة الذين يحملون هذا الاسم بدون استحقاق .

4-   بمجموع ما تقدم يحصل إدخال السرور على قلب الإمام الصادق عليه السلام وتحقيق أعظم المكاسب للأمة الإسلامية بصورة عامة ولأهل البيت عليهم السلام ومذهبهم  بصورة خاصة وذلك بتحبيب الإمام الصادق عليه السلام لمخالفيه وتعريف مذهبه لهم  .

بقية الأدلة

وحول هذا الترابط بين مفهوم التشيع الصحيح عند الإمام الصادق عليه السلام وبين المنهج الذي يجب على الشيعة أن يسيروا عليه مع مخالفيهم يوجد روايات متعددة تتطابق مع هذه الصحيحة ومنها : الدليل الثاني صحيحة ابن رئاب : 

تحدثت هذه الصحيحة عن عنوان من هو المؤمن ؟

فقد جاء في الحديث الصحيح عَنِ ابْنِ رِئَابٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ : ( إِنَّا لَا نَعُدُّ الرَّجُلَ مُؤْمِناً حَتَّى يَكُونَ لِجَمِيعِ أَمْرِنَا مُتَّبِعاً مُرِيداً أَلَا وَإِنَّ مِنِ إتِّبَاعِ أَمْرِنَا وَإِرَادَتِهِ الْوَرَعَ فَتَزَيَّنُوا بِهِ يَرْحَمْكُمُ اللَّهُ وَ كَبِّدُوا [وكيدوا خ ل ] أَعْدَاءَنَا بِهِ يَنْعَشْكُمُ اللَّهُ )[22]

هذه الصحيحة : تقول أن الشيعي المؤمن لا يكون مؤمناً حقاً إلا إذا كان متصفاً بالورع وهذا أحد العناوين المتقدمة في مفهوم التشيع ثم ربط الإمام بين الورع الذي هو زينة لمن اتصف به  وأكد على الشيعة أن يتصفوا به وبين منهج الشيعة مع مخالفيهم وفي هذه الصحيحة ذكر أمرين :

الأمر الأول : أشار الإمام عليه السلام بأنه يجب أن تكونوا أعلى وأحسن من مخالفينا وذلك بالتحلي بالورع وأشار إلى ذلك بكلمة ( كيدوا ) أو ( كبدّوا ) على حسب اختلاف النسخ :

أما على النسخة الأولى وهي التي رجحها المجلسي .

 فقال عليه السلام  :[وكيدوا ] أَعْدَاءَنَا بِهِ . قال العلامة المجلسي : في أكثر النسخ بالياء المثناة أي حاربوهم بالورع لتغلبوا ، أو ادفعوا به كيدهم سمي كيداً مجازاً أي الورع يصير سبباً لكف ألسنتهم  عنكم وترك ذمهم لكم ، أو احتالوا بالورع ليرغبوا في دينكم كما مر في قوله عليه السلام : ( كونوا دعاة ) إلخ ، وكأنه أظهر .

النسخة الثاني : ( وَ كَبِّدُوا أَعْدَاءَنَا بِهِ ) قال المجلسي : وفي بعض النسخ بالباء الموحدة المشددة من الكبد بمعنى الشدة والمشقة أي أوقعوهم في الألم والمشقة لأنه يصعب عليهم ورعكم والأول أكثر وأظهر .[23] 

الأمر الثاني : قوله ( يَنْعَشْكُمُ اللَّهُ ) أي يرفعكم في الدنيا والآخرة لأن أنعشه الله أي رفعه .

والخلاصة أن الإمام في هذه الصحيحة كالصحيحة السابقة ربط بين مفهوم التشيع وبين منهج الشيعة مع المخالفين الذي يجب أن يتصفوا به وهو الورع ، ونتيجة ذلك هو أن الله سينعشهم في الدنيا والآخرة . 

الدليل الثالث : صحيحة ابن أبي يعفور : 

ففي الحديث الصحيح  عَنِ ابْنِ أَبِي يَعْفُورٍ قَالَ : قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام :

(  كُونُوا دُعَاةً لِلنَّاسِ بِغَيْرِ أَلْسِنَتِكُمْ لِيَرَوْا مِنْكُمُ الْوَرَعَ وَالِاجْتِهَادَ وَالصَّلَاةَ وَالْخَيْرَ فَإِنَّ ذَلِكَ دَاعِيَةٌ ) [24]

 محل الاستشهاد في هذه الصحيحة بقوله ( كُونُوا دُعَاةً لِلنَّاسِ بِغَيْرِ أَلْسِنَتِكُمْ ) ففيها حمَّل الإمام شيعته الدعوة إليهم بحسن السلوك والاتصاف بالمواصفات المتقدمة التي تشكل مفهوم التشيع وأن هذه المواصفات هي في حد ذاتها داعية إلى أهل البيت عليهم السلام أي تعرف بقية المسلمين عليهم .  

الدليل الرابع : صحيحة زيد الشحام :

ففي الحديث الصحيح عَنْ أَبِي أُسَامَةَ [ زيد الشحام ] قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام  يَقُولُ :

( عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ ، وَ الْوَرَعِ ، وَ الِاجْتِهَادِ ، وَ صِدْقِ الْحَدِيثِ ، وَ أَدَاءِ الْأَمَانَةِ ، وَ حُسْنِ الْخُلُقِ ، وَ حُسْنِ الْجِوَارِ ، وَ كُونُوا دُعَاةً إِلَى أَنْفُسِكُمْ بِغَيْرِ أَلْسِنَتِكُمْ ، وَكُونُوا زَيْناً وَ لَا تَكُونُوا شَيْناً ، وَ عَلَيْكُمْ بِطُولِ الرُّكُوعِ ، وَ السُّجُودِ ؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَطَالَ الرُّكُوعَ وَ السُّجُودَ هَتَفَ إِبْلِيسُ مِنْ خَلْفِهِ وَ قَالَ يَا وَيْلَهُ أَطَاعَ وَعَصَيْتُ وَ سَجَدَ وَ أَبَيْتُ ) [25]

قوله عليه السلام ( كُونُوا زَيْناً وَلَا تَكُونُوا شَيْناً )

هذا العنوان من العناوين المهمة والعظيمة التي أكد عليها الأئمة في كلماتهم مع شيعتهم وناشدوهم أن يتصفوا بكل حسن ويبتعدوا عن كل قبيح يشوه سمعتهم  ، وهذا يكشف لنا عمق الترابط بين الشيعة وأئمتهم وأن سلوكيات الشيعة تنعكس على أئمتهم سلباً أو إيجابا .

فهذه الصحيحة تشبه الروايات الصحيحة المتقدمة إلى حد كبير من طرح مفهوم التشيع الذي يريده الإمام الصادق عليه السلام في ضمن مواصفات ذكرها وربط بينها وبين منهج الشيعة مع مخالفيهم وأنهما يكونان عنصراً مهما .

قال العلامة المجلسي : ( وَ كُونُوا دُعَاةً ) أي كونوا داعين للناس إلى طريقتكم المثلى ومذهبكم الحق بمحاسن أعمالكم ، ومكارم أخلاقكم ؛ لأن الناس إذا رأوكم على سيرة حسنة وهدى جميل نازعتهم أنفسهم إلى الدخول فيما ذهبتم إليه من التشيع وتصويبكم فيما تقلدتم من طاعة أئمتكم عليهم السلام .

( وَكُونُوا زَيْناً ) أي زينة لنا ( وَلَا تَكُونُوا شَيْناً ) أي عيباً وعاراً علينا . [26]

ويؤيد الأخبار الصحيحة المتقدمة حول الترابط بين التشيع الصحيح وبين سلوك ومنهج الشيعة مع مخالفيهم أخبار أخر لا مجال لذكرها الآن .

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين

 


[1] الكافي ج 8 ص 229 حديث 293 رواه ثقة الإسلام الكليني عن حميد بن زياد ، وثقه النجاشي والشيخ الطوسي وغيرهما ، عن الحسن بن محمد ، والمراد به ابن سماعة ، وثقه النجاشي صريحاً ، عن وهيب بن حفص ، وثقه النجاشي والشيخ الطوسي ، عن أبي بصير وهو ثقة سواء كان يحيى بن القاسم أو ليث بن البختري فكـلاهما ثقة .

[2]  -  شرح الأخبار - القاضي النعمان المغربي ج 3   ص 506 .

[3]  الأربعون حديثاً ص 385         

[4] مستدرك ‏الوسائل ج : 8 ص 316ح9537

[5]  وسائل‏الشيعة ج : 12 ص : 6

[6]  وسائل‏الشيعة ج : 7 ص :  84 حديث 8792 عن الكافي ج 2 ص 354 حديث 1 وقرب الإسناد ص 171 مثله .

[7]  إقبال ‏الأعمال ص : 213

[8]  -  شرح الأخبار - القاضي النعمان المغربي ج 3   ص 506 .

[9] مستدرك‏الوسائل ج : 12 ص : 277 .

[10] مستدرك‏الوسائل ج : 12 ص : 278 حديث 14091 .

[11]  -  شرح الأخبار - القاضي النعمان المغربي ج 3   ص 507 ح1456

[12] مشكاة الأنوار : 67

[13]   وسائل‏الشيعة ج : 12 ص : 52 ح15518

[14]  وسائل‏الشيعة ج : 12 ص  9

[15]  بحار الأنوار ج : 2 ص : 75

[16]  بشارة المصطفى ص : 113

[17]  الكافي ج : 2 ص 222

[18]  مستدرك‏ الوسائل ج : 8 ص311ح9523

[19]  الكافي ج : 2 ص 117

[20] مستدرك‏الوسائل ج : 9 ص : 35 ح 10135

 

[21]   الكافي ج : 2 ص : 636

 

[22]  الكافي ج : 2 ص : 78 

[23]  مرآة العقول ج 8 ص 64 .

[24] الكافي ج : 2 ص : 78 

[25]  الكافي ج : 2 ص : 77

[26]  مرآة العقول ج 8 ص 61 .